هذا ما قالته ليلى

single


يقع بعض الكتّاب الرّوائيّين في أخطاء تاريخيّة أو علميّة أو تراثيّة لعدم تحرّيهم الدّقة العلميّة أو العودة إلى المراجع المعتمدة. فيما يوردونه من أحداث تاريخيّة أو نوادر أدبيّة أو تراثيّة، وقد تصبح هذه الأخطاء "حقائق مدوّنة في كتب" عند بعض القرّاء الذين يحترمون هؤلاء الكتّاب ولا يشكّون فيما يكتبونه من معلومات.
في روايتها الشّهيرة "قواعد العشق الأربعون" تكتب الرّوائيّة التّركيّة أليف شافاك أنّ الخليفة العبّاسيّ المشهور هارون الرّشيد سمع في مجلسه أنّ شاعرًا بدويًّا اسمه "قيس" أُغرِمَ غرامًا يائسًا بفتاة اسمها "ليلى" وجنّ بسببها، فاستبدّ الفضول بالخليفة لمعرفة تلك المرأة الفاتنة التي جنّنت الشّاعر فجاءوا بها من الباديّة إلى قصره في بغداد، وعندما وقفت بين يديه وأزاحت الخمار عن وجهها خاب ظنّ هارون الرّشيد فسألها: أأنت المرأة التي جُنّ بسببها ذلك المجنون؟ ثم أضاف: يبدو أنّك امرأة عاديّة!!
فأجابت: أنا ليلى، ولكنّك لست بمجنون ليلى، ولا تراني بعينيه!!
في هذا النّص الذي روته أليف شافاك في كتابها مجموعة من الأخطاء فالشّاعر قيس بن الملّوح المعروف بمجنون ليلى مات في العام 688م وأمّا خلافة هارون الرّشيد فكانت بين السّنوات 786- 806 م أيّ بعد مائة عام تقريبًا من موت قيس فكيف التقى هارون الرّشيد بحبيبة الشّاعر ليلى العامريّة؟
لعل ّالقصّة التي قصدتها الكاتبة شافاك وأخطأت في سردها لأنّها، كما أظنّ اعتمدت عن الرّوايّة الشّفويّة أو على الذّاكرة النّسّاءة، هي ما حدث للشّاعرة الأمويّة ليلى الأخيليّة التي كان يهواها توبة بن الحُمَير اللذين عاشا في صدر الدّولة الأمويّة وقد قتل العاشق الولهان توبة بن الحمير في خلافة معاوية بن أبي سفيان (661-680) والتقت ليلى فيما بعد بالخليفة الأمويّ عبد الملك بن مروان (ت 705م) كما التقت بالوالي والقائد الحجّاج بن يوسف(ت714م) كما ورد في كتب الترّاث.
ويكتب الأديب الموسوعيّ أبو الفرج الأصفهانيّ في موسوعته الأدبيّة الخالدة "الأغاني" في المجلد الحادي عشر ص 225: "بلغني أنّ ليلى الأخيليّة، دخلت على عبد الملك بن مروان وقد أسنّت وعجزت فقال لها: ما رأى توبةُ فيكِ حين هَوِيَكِ؟
قالت: ما رآه النّاس فيك حين ولّوكً!!
وشتّان بين ما رواه الأصفهانيّ وما روته أليف شافاك جمالًا ومعنى!
وفي الرّواية نفسها تذكر الكاتبة أنّ الفتاة "كيرا" التقت في مدينة قونية في 16 كانون الأوّل 1224 بالصّوفيّ شمس التّبريزيّ فتساءلت حينما شاهدته: من هذا الغريب الذي هبط علينا مثل صاروخ قذفته السّماء؟
 ويحقّ للقارئ أن يتساءل:
هل عرف النّاس الصّواريخ قبل ثمانمائة عام؟
لعلّ الكاتبة أرادت "نيزكًا" ولعلّ المترجم أخطأ في التّرجمة واختلط الأمر عليه فلم يميّز بين "النّيزك" وبين "الصّاروخ"!!
وهذا الأمران لا يمسّان قيمة هذه الرّواية الرّائعة.


قد يهمّكم أيضا..
featured

كم تغيرت فلسطين

featured

أزمة الحراك الشعبي والأسلمة السياسية

featured

هل تمهد اسرائيل لضرب المنشآت النووية الايرانية ؟

featured

لا للتفاوُض بظلّ الاستيطان

featured

رفعت السعيد: التاريخ لا يرحم!

featured

قراءة في نتائج الانتخابات المصرية وانعاكسها على القضية الفلسطينية (2)

featured

مياه مسروقة في بلدة الزاوية

featured

"هدول من جماعتنا"...