"هدول من جماعتنا"...

single
الحرب على غزة في أوجها، عدد القتلى يرتفع بوتيرة جنونية، وفجأة نسمع عن تهجير داعش لمسيحي الموصل. كل من لم يتعاطف مع غزة الان يتعاطف مع الموصل ومسيحييها. أنتقد التضامن مع مسيحيي الموصل فقط على أساس أنهم مسيحيين، تتوجه اليّ صديقة قديمة محاولة أن تشرح لي أننا "الشعب المسيحي العربي" يجب أن ندافع عن أنفسنا لان لا أحد يريدنا... "شعب مسيحي عربي"؟ متى ولد ذلك الشعب؟ أحاول أن أسترجع التاريخ بذاكرتي لعلني أستطيع تحديد تلك النقطة.
ولدت في بيت مسيحي ولكن لم أسمع يوما في بيتنا تعريف لانسان على أنه "مسلم" أو "مسيحي" – لم يكن الانتماء الديني جزءا من هوية المحيطين بنا، التعريف الوحيد الذي كان يستعمل انذاك للتمييز هو "اليهودي" البعيد عنا الذي يسكن في "شيكون اليهود" ويأكل "خبز يهود"، أما نحن فكان واضحا لنا أننا عرب فلسطينيون تجمعنا الهوية المشتركة والذاكرة الجماعية واللغة والعادات والتقاليد. كبرت وترعرعت على هذا الاساس وعليه كان تعاملي مع من حولي، ولم أصل يوما لدرجة شمل انتمائهم الديني في قائمة الصفات التي بجب أن أعرفها عنهم.
فجأة في السنوات الاخيرة أصبحت أسمع مصطلحات طائفية جديدة لم أكن أسمعها من قبل: "جماعتنا"، "العرب المسيحية" – هذه جزء من مجموعة جمل متداولة في مجتمعنا بين المسلمين والمسيحيين على حد السواء، وأن دلت على شيء فهي تدل على نجاح معيّن للحكومة الاسرائيلية في شرذمتنا وتفريقنا الى مجموعات وطوائف دينية لا تمت لبعضها بصلة ومحو هويتنا الفلسطينية. مجموعات صغيرة تفتقد للحماية فترتمي بحضن اسرائيل لتحميها.
من أكثر الجمل الطائفية التي تثير فيي الغثيان هي – "هدول من جماعتنا" - وفي كل مرة أسمع تلك الجملة لا أفهم للوهلة الاولى من هم "جماعتنا" ولكن بعد ذلك أتذكر أنني أعيش في مجتمع طائفي وأفهم أن المقصود بجماعتنا هو "المسيحيون" – وأتساءل : منذ متى أصبحنا "جماعة"؟ لم تكن هذه المصطلحات متداولة بين الناس في صغري! كان أولاد صفي المسلمون والمسيحيون يزينون شجرة عيد الميلاد في بيوتهم وفي الصف عند اقتراب العيد، كنت أنتظر رمضان لأتلقى العزومة على الافطار في بيت صديقتي – حتى أنني كنت أصوم معها في ذلك اليوم من شدة حماسي للعزومة، لم نفرق يوما بيننا على أساس مسلم - مسيحي، أنما رأينا الصفات الجميلة  التي تجمعنا سوية وهي لون البشرة السمراء والوجع غير المتناهي على وطن ضائع – كنا نبحث عن أوجه الشبه  التي تجمعنا وليس عن الاختلاف الذي يمزقنا.
قبل فترة قصيرة قال لي أحدهم "لازم ننفع جماعتنا" – ذكرتني هذه الجملة بحملة "إشتر من بلدك" لدعم الاقتصاد الفلسطيني - "إشتري من جماعتك؟" - لماذا علي أن "أنفع جماعتي"؟ مقاطعة المنتوجات الاسرائيلية هدفها واضح وهو عدم دعم الاحتلال ودعم الاقتصاد الفلسطيني – ولكن عدم شراء من محلات تجارية على خلفية الطائفة ما الهدف منها؟ وفي مصلحة من تصب؟ من هي "جماعتنا" أصلا؟ هل لديهم لغة خاصة مشتركة تختلف عن اللغة الفلسطينية المتداولة؟ هل يستعمل المسيحيون اللغة الارامية مثلا أم أنهم متحدثو الانجليزية؟ هل لديهم عادات وتقاليد مجتمعية مختلفة عن العادات والتقاليد الفلسطينية؟ هل تلبس العروس عندهم اللون البنفسجي مثلا بدل الابيض؟ هل يأكلون البسكوت بدل الخبز العربي؟ هل لدى المسيحيين ذاكرة جماعية خاصة بهم مختلفة عن الذاكرة الجماعية الفلسطينية؟ هل هناك تغريبة مسيحية خاصة بهم؟ هل أقرث وبرعم في سويسرا وليس شمال فلسطين؟ فعلا لا أفهم متى أصبح المسيحيون "جماعة" منفردة منفصلة عن المجموع الفلسطيني، متى سلخت هذه المجموعة عن الفلسطينيين لتتعامل هي مع نفسها كما يتعاملون معها بأنها فئة منفصلة بحاجة للحماية لأن الفلسطينيين (المسلمين) لا يريدونهم بينهم؟!
أنا لا أعي تلك اللحظة  التي تم فيها هذه السلخ – و الذي تغلغل شيئا فشيئا الى وعينا حتى أصبح جزءا منا – ولكن أعي تماما من هو المسؤول عن هذا السلخ وفي مصلحة من يصب. منذ قيام الدولة الصهيونية وهي في محاولات دائمة لتفرقة وحدة الصف الفلسطيني، منذ قيامها حاولت أن تفصل بين المسيحيين والمسلميين والدروز الفلسطينيين حتى تستطيع شرذمتهم والقضاء عليهم وتذويب هويتهم الفلسطينية وذاكرتهم الجماعية ليتأسرلوا وينخرطوا تماما في المجتمع الاسرائيلي، فلا هم سيصبحون يهود أو أسرائيليين وذلك لأن الاسرائيليين أنفسهم لا يريدون تقبلهم كمتساويين في المجتمع الاسرائيلي، ولا سيعرفون العودة لأصولهم فتضيع هويتهم الفلسطينية - وهذا فعلا ما يحدث اليوم.
ان انتشار الطائفية له وقع هدام على مستقبلنا كشعب فلسطيني، لذلك علينا محاربتها من جذورها بأن نبدأ بتغيير بسيط في نهج حياتنا، مثلا بأن لا نستعمل أمام أطفالنا كلمة مسيحي أو مسلم أبدا، لكي لا نعرضهم لهذه التفرقة الطائفية بجيل مبكر، لا نقول "عيد مسلمين" ولا "عيد مسيحية" – عندما نتحدث عن الاعياد الدينية نذكرها بأسمائها وبهذا نمحو الفروق الطائفية بالنسبة للأعياد، ونعطي أطفالنا شعورا عاما بأن هذه الاعياد تابعة لنا جميعا وليست حكرا على فئة معينة، لا نستعمل مصطلح "حارة مسيحية" و"حارة أسلام" – ولكن تعطى للحارات أسماء أخرى لا ترمز للتفرقة الطائفية.
ختاما، لكل المسيحيين  الذين يعدون أنفسهم لا ينتمون للشعب الفلسطيني أذكركم أن جورج حبش ووديع حداد - القادة في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - ينتمون الى الطائفة المسيحية ولكن هذا لم يكن يوما سببا في تغيير تفكيرهم وسلخ أنفسهم عن الشعب الفلسطيني، لقد قادوا المقاومة بكل بسالة ودفعوا حياتهم فداء الوطن، فالشعب الفلسطيني لا انتماء طائفي له، هو ليس مسلم الديانة ولا مسيحي، الشعب الفلسطيني يجمع الطوائف الدينية جميعا تحت سقف واحد من العادات والتقاليد واللغة والذاكرة الجماعية الحيّة رغم القهر والقلب  الذي ينزف ألما على أطفال غزة الابرياء – لا تقولو لي "جماعتنا"! أذهبوا لأقرث وبرعم وأسألوا حالهم لعلكم تدركون أن الاحتلال لا يميز بين مسيحي ومسلم، فكل الدم الفلسطيني مباح.
قد يهمّكم أيضا..
featured

طريق الخروج من قُلْقُس مُغْلَق وتحوّل عبور الشارع إلى مغامرة يوميّة

featured

"عائد الميعاري يبيع المناقيش في أرض الزعتر"

featured

اسقاط التشرذم مهمة وطنية

featured

أبا جمال - نطمئنك، لم تترك الحصان وحيدًا!

featured

هي ليس أية مدنية!

featured

معركة الحياة والحرية