"سالم حزبنا"، نشيد شجي من أناشيد الحزب الشيوعي العراقي، الذي اقترن حضوره في وجداننا، بالتضحيات الهائلة التي قدمها، على مذبح الحرية وكرامة الإنسان، وعلى مذبح النضال من أجل "عيشة هنيّة للعامل والفلاح"، كما تقول إحدى أناشيده العذبة.
و"سالم حزبنا" هو من تلك الأناشيد التي شدتني، وشدت غيري كما أتوقع، ففيها ذلك الفرح الغامر الذي يعترينا، أن الثوريين، في هذا البلد أو ذاك، موحّدون لا متفرقين أيدي سبأ، كما شهدنا للأسف، على طول طريقنا الطويل، حيث ظهرت انشقاقات على أسس شخصية وأحياناً على مسببات تافهة، بل بالغة التفاهة، وبذلك أضروا قضية الشعب وفتحوا الباب عريضًا للقوى الفاشية لضرب نضالات الشعب بأكمله.
"سالم حزبنا" يقول النشيد، "سالم حزبنا.. ما همتو الصدمات.. سالم حزبنا". أكتب هذه الكلمات بعد أن استطاعت جبهة الناصرة أن تتخطى الأزمة التي عبرت بها، والتي رقص من رقص طربًا على أساس أن هذا الجسم قد تمزق إربًا، وكأن العيش والملح، والجسور التي عبرناها سوية؛ جسور الصدام مع السلطة؛ جسور مواجهة الطائفية؛ جسور المعركة على ميزانيات منصفة لبلدياتنا ومجالسنا؛ جسور النضال من أجل المساواة؛ هذه الجسور التي عبرناها، وما زلنا نعبرها، لن تذهب تراثها وشذاها لا في رمشة عين، ولا في إغماضة عين، حتى لو كانت تلك الإغماضة الأبدية، فلا نحن ولا أبنائنا ولا أحفادنا من بعدنا، مسموح لهم بشطب هذا التاريخ ولا بهدم هذه القلعة المرصعة بالتضحيات وعنوان شعب خبر الحياة فوجد في نهجنا طريقه الذي لا يخيب.
والشيء بالشيء يذكر. فهذا "التطوع" الغريب، لوضع الحزب والجبهة وتاريخهما العريق في صف من يجب أن يحاسب ذاته، بعد انتفاضات الشعوب السلمية العظيمة؛ هذا التطوع يقع في باب الخطأ وربما الخطيئة. لقد كنتُ منذ اليوم الأول ضد زيارة ليبيا والاجتماع مع معمر القذافي. وكتبت عددًا من المقالات ضد هذا القائد المهزلة. ولكنّ كان هنالك رفاق في قيادة الجبهة رأوا أن هذه الزيارة تأتي في إطار التواصل مع الشعوب العربية، ورأوا انه لا يمكن لنا الامتناع عن المشاركة وخاصة أن الوفد يضم غالبية اتجاهات الرأي في مجتمعنا العربي، وقالوا إن واجبنا أن نضع موقفنا وخطنا المسؤول، لإحداث التوازن مع مواقف أخرى لا نوافق عليها بين جماهيرنا.
لم أوافق على هذا التوجه إطلاقًا، وحتى اليوم أرى أن هنالك حاجة للقول أننا أخطأنا في هذه الزيارة. ولكن بين النقاش مع هذه القيادة التي يُشار لها بالبنان في معاركنا، من الخصم قبل الصديق.. وبين تحميلهم وزر أعمال القذافي فهذا تجنٍ غير مقبول وهو في نفس الوقت سخيف، إنه تجنٍ يحمل رائحة تصفية الحسابات والانتقام وتشويه الصورة وقتل الشخصية، ورفاق الدرب الواحد لا يفعلون ذلك مع بعضهم البعض، وبالطبع ليس في معركة علنية.
كوادر الحزب والجبهة ترفض، بل تمقت، نهج التصفيات. سياسة التصفيات، التي كان هنالك من يعتقد- يومًا- أنها قمة الثورية، أفقدت أحزابًا ثورية السلطة، وتلك التي كانت في موقع مركزي في المعارضة أصبحت في هامش الهامش. أكتب هذه الكلمات ليس لأنني أرفض النقاش، بل بالعكس تمامًا، فعندما كنت سكرتيرًا للجبهة عملت على فتح موقع الجبهة على كافة النقاشات حتى لأعضاء أطر سياسية أخرى. ولكن شتان ما بين نقاش الموضوع وحملات التشويه.
وحتى لا يبقى الكلام على عواهنه، وحتى لا تبقى الأمور في إطار الشعارات الطوباوية، وفي ظل قناعتي أن هذه الحركة-الحزب والجبهة- هي ضرورة لشعبنا، فإن هنالك حاجة للعودة لتطوير آليات النقاش في حركتنا، لفتح النقاش للجميع، من خلال اجتماعات فكرية وسياسية وتنظيمية، ومن خلال مبادرة القيادة لفتح حوارات في الاتحاد وفي موقع الجبهة وفي منشوراتنا بالعبري. عندما يناقش الجميع، ستُهمّش الاتجاهات الشخصية، فالكادر الواسع بعيد عن الخلافات والصراعات الشخصية، والكادر ملتزم، وفي أحيان كثيرة أكثر من قياديين، بالحفاظ على خط ثوري. هذا ما تتطلبه المرحلة الآن، وخاصة أن أعيننا كانت دائمًا على جمهورنا ومسيرتنا، والعين الأخرى ترعى هذا التنظيم ليؤدي رسالته العظيمة.
على كل حال، حتى في ظل خلط الأوراق، لا يمكن لأحد أن يُغفل الأهم في ما يجري الآن، في مصر وفي تونس وفي ليبيا وفي كافة أقطار الوطن العربي، فهنالك تجري تزكية شعبية شاملة لنهج الجبهة والحزب الشيوعي، نهج الكفاح الجماهيري الواسع، نهج رفض الانغلاق والتعصب القومي والطائفي والديني.
هذا النهج الشيوعي الجبهوي انتصر، ولذلك فهذه مناسبة للاعتزاز ومناسبة للاحتفال. وعلى هذه الأمور حركتنا موحدة وتشعر بالمسؤولية الكبيرة، في أعقاب هذه الانتصارات، تجاه جماهيرنا ومسيرتها المظفرة.
