الشجرة منفردة جميلة ولا شك، لكن الغابة أجمل. كلما كثرت الأشجار ازداد المشهد جمالًا، لكن التحديق في شجرة بعينها لن يسمح لنا برؤية الغابة كاملة. في الغابة التعدد، اشتقاقًا من كلمة العدد، حيث هناك عشرات، وربما مئات وآلاف الأشجار في الغابة الواحدة، وهناك التنوع، اشتقاقًا من كلمة نوع، ففي الغابة الواحدة نعثر على أنواع مختلفة من الأشجار لا نوعًا واحدًا فقط، وبالتالي علينا المقارنة بين ثراء البصر والبصيرة الآتي من رؤية الغابة، ومحدوديته عند التحديق في شجرة واحدة من هاته الغابة المتعددة، المتنوعة.
هذا على مستوى الطبيعة، لكن الملاحظة نفسها تصح على التاريخ وعلى واقع الحياة وعلى كافة الظواهر.
لعل فريدريك إنجلز هو القائل بأنه كلما طالت الفترة الزمنية التي نبحثها قلّت إمكانية وقوعنا في استنتاجات خاطئة، لأن هذا الامتداد يمكننا من أن نبحث ما قبل وما بعد، أي نقف على المقدمات وعلى النتائج أيضًا.
لنعطِ مثلًا حيًا من واقعنا العربي الراهن. لنعد جميعًا إلى ما قيل وكتب في مطالع العام 2011 حين كانت الميادين في العواصم العربية تكتظ بالمحتجين، ولنلحظ كمية الآمال المفرطة في المستقبل الواعد الوشيك، ومنسوب التفاؤل الذي حجب كل القصورات والأخطاء، ولنعد تقييم ما جرى ونحن في العام 2016، سنجد أنفسنا نعيد النظر في الكثير مما قيل، لأننا الآن لا نقف عند الحدث لحظة توهجه كما كان يومذاك، وإنما نقف على ما تلاه من نتائج وما ترتب عليه من تداعيات.
معضلتنا أننا أسرى الجزئي، وفي الكثير من الحالات لا نرى هذا الجزئي في سياق أشمل، كونه مجرد جزء من كل، مجرد تفصيل من لوحة شاملة، مجرد شجرة واحدة في غابة متعددة ومتنوعة الأشجار، لذا تكثر حالات الوقوع في الخطأ.
لا يصح أن تدرس الظاهرة السياسية بمعزل عن جذورها الاجتماعية والاقتصادية. مثلًا، لا يمكن تفكيك ظاهرة بحجم ظاهرة الإرهاب الذي يجتاح بلداننا كالطاعون بمعزل عن دراسة العوامل المسببة له والمؤدية إليه، وهي أسباب تشكل منظومة كاملة يتعين تفكيك مكوناتها، والعمل على معالجة كل مكون، لا الاكتفاء بجانب عارض منها.
ولأننا أعطينا المثل هنا بظاهرة الإرهاب، علينا القول إنه حتى لو نجحت التدابير الأمنية الصارمة في الحد من خطره، وهي تدابير مطلوبة ومقدرة ولا شك، فإنها لن تحول دون إعادة تفريخ خلايا أخرى جديدة تعوض تلك التي تمّ ضربها، ما دامت برامجنا التعليمية تُزيّن التعصب والتطرف في الأفكار، وما دامت بيئات الفقر والحاجة تنتج المزيد من المخلوعين والمهمشين الذين يجدون في تلك الأفكار ملاذًا.