من شدة الحَيرة والارتباك، في هذا الزمن الملعون وكي اشغل نفسي في شيء ما، وجدت نفسي عن غير قصد اتجه إلى مكتبتي المتواضعة وأنا امسك مجلد موسوعة دول العالم، ذا الآفاق العلمية والجغرافية والتاريخية والاقتصادية، الصادر عن دار المعرفة في بيروت سنة 2006، من إعداد مصطفى فاخوري. جلست أتصفح منظومة الدول والشعوب الموجودة بل والمتواجدة على سطح كوكب الأرض. قلت في نفسي لعلني اطرد الملل والحيرة والإجهاد بعد عناء ذلك النهار والكابوس ليوم عمل مضن من هموم الحياة ومشاق النضال وصراع الأيام في محاولة تلو الأخرى للتغلب على سفالة حكومة نتنياهو وما تخطط له في المستقبل المنظور من قوانين عنصرية وفاشية، تجاه نفسها والدولة التي تعيش وتتعايش معها أولا، والبقية الثابتة والصامدة من الشعب الفلسطيني المتواجد على ارض آبائه وأجداده في الجليل والمثلث والنقب والساحل، قبل تفتح الحركة الصهيونية وزيادة شهيتها في نهب الوطن الفلسطيني بالكامل.
وأنا اقلب الصفحات وألهو هنا في قراءة سطر أو جملة وأتصفح أخرى هنا وهناك، مستندًا على حروف الأبجدية العربية، ومتنقلا بين القارات الخمس التي يتشكل منها عالمنا المعاصر، لأكتشف ان عالمنا الواسع الفسيح الكبير يتسع لجميع خلق الله من كافة الشعوب والقوميات والمذاهب والأديان السماوية والمعتقدات الاثنية، في تلك القبائل والأمم التي ما زالت تعيش الحياة البدائية في الغابات والأدغال، لكن اللافت للانتباه ان عشرات الدول والشعوب الصغيرة القليلة العدد والصغيرة المساحة تنعم اليوم بالحرية والهوية والنشيد الوطني والاستقلال السياسي، مع ان هذه الدول والشعوب غير فاعلة على الساحة السياسية والاقتصادية والدبلوماسية الدولية رغم انها تتمتع بعضوية كاملة الحقوق في منظمة الأمم المتحدة، وباقي المنظمات الدولية والإنسانية. وهذه مجموعة من هذه الدول التي تحظى بالاستقلال وجلاء المستعمر الأجنبي عنها، جمهورية مثل توفالو تقع في المحيط الهادي التي يبلغ عدد سكانها اليوم 10500 نسمة فقط حصلت على استقلالها من المستعمر البريطاني سنة 1978. دولة مثل نورو في جنوب المحيط الهادي لا يراوح عدد سكانها عن عشرة الاف نسمة حصلت على استقلالها سنة 1968. دولة مثل مكرونيزيا الصديقة في التصويت إلى جانب إسرائيل في الأمم المتحدة، لا يتعدى عدد سكانها 117000 نسمة، موناكو في أوروبا وهي إمارة عدد سكانها 31000 وعضو دائم كامل الحقوق في منظمة الأمم المتحدة، دولة ماكاو في جنوب شرق آسيا 371500 نسمة، حصلت على استقلالها من الاستعمار البرتغالي سنة 1987، جمهورية ليختنشتاين في أوروبا مساحتها لا تتعدى 160 ألف كيلومتر سكتنها يبلغ عددهم 130 ألف نسمة وتتمتع بعضوية كاملة في الأمم المتحدة. دولة غوام في غرب المحيط الهادي 160 ألف كيلومتر يبلغ عدد سكانها 142 ألف نسمة، جزر سيشيل إلى الشرق من القارة الإفريقية مساحتها 453 كيلو متر وعدد سكانها 73000 نسمة حصلت على استقلالها السياسي من المستعمر الانجليزي سنة 1976، دولة سوازيلاند في جنوب القارة الإفريقية، تبلغ مساحتها 17364 كيلو متر وعدد سكانها 971 ألف نسمة وهي عضو كامل الحقوق بالأمم المتحدة بعد ان حصلت على استقلالها من الاستعمار البريطاني سنة 1968، جزيرة سانت هيلانة في المحيط الأطلسي بين إفريقيا وأمريكا الجنوبية مساحتها 125 كيلومتر ولا يتجاوز عدد سكانها الـ 9000 نسمة ونالت استقلالها عن المستعمر الانجليزي سنة 1973.
اللافت للانتباه في مسيرة هذه الشعوب انه جرى انحسار للمد والنفوذ الاستعماري الكولونيالي الامبريالي في عالمنا المعاصر، هذا الانحسار والتراجع الحاصل في أواخر القرن العشرين هو نتيجة حتمية لعجز قوى الاستعمار الامبريالية على التحكم والسيطرة على مصير عشرات الشعوب التواقة للحرية والاستقلال، والتي أصبحت تشكل العبء الكبير على الاستعمار نفسه الذي لا يستطيع ان يحكم إلا بالأسلوب الوحشي في استعباد البشر والشعوب، ومن جهة أخرى ان الشعوب هبت وانتفضت في ظروف التسوية العالمية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وانهيار نظام المستعمرات في آسيا وأمريكا اللاتينية.
من التأكيد ان رياح التحرر والاستقلال ونسمات التغيير تتدفق في خلع نير الاحتلال الأجنبي والكولونيالية الاستعمارية والصهيونية الجديدة، وهذا الجو هو المسيطر ومن اجل ذلك تحتد المنافسة والصراع بين كافة الشعوب والدول وعلى رأسها الشعب العربي الفلسطيني للتخلص من موبقات الاحتلال وجرائمه الوحشية.
إن حركة الشعوب هي المسيطرة وهي في ديمومة مستمرة، بالرغم من ضعف تأثيرها على الساحة الدولية ووقوعها تحت تأثير وهيبة القوى الكبرى ذات النفوذ السياسي والاقتصادي على الساحة الدولية. لكن هذه الدول والشعوب لها استقلالها النسبي ولها عَلَمها وهويتها الوطنية وعملتها المالية الوطنية وارتباطاتها بالسوق والاقتصاد العالمي.
هل يعقل لغاية الآن، وفي بداية القرن الواحد والعشرين، انه يوجد شعب اسمه الشعب العربي الفلسطيني وموقعه الجغرافي منطقة الشرق الأوسط الغنية بالنفط والثروات الطبيعية، ويبلغ تعداد سكانه أكثر من ثمانية ملايين نسمة، منتشرين على مساحة هذا الكوكب، ولم يحظَ بالحرية والاستقلال لغاية الآن، وإنما يتعرض لكافة صنوف القهر والإذلال والحرمان والتعذيب إلى حد الإبادة الجماعية، مثلما حصل في الحرب الأخيرة على قطاع غزة، على يد المحتلين الإسرائيليين وحلفائهم الأمريكيين، بينما تمتلئ السجون والمعتقلات وزنازين القهر التابعة للاحتلال والصهيونية العنصرية بأكثر من عشرة آلاف سجين سياسي فلسطيني من أبطال النضال في سبيل الحرية والاستقلال لشعبهم الفلسطيني الذي عانى ويعاني الكثير في هذه الأيام من سياسة أمريكا وإسرائيل وذوي القربى. فما تتعرض له القدس الشرقية العاصمة العتيدة لدولة فلسطين القادمة، على يد المؤسسة الصهيونية الحاكمة، وقوى اليمين العنصري والفاشي، هو أكبر عملية تغيير جذري تستهدف البشر والشجر وكافة المعالم والرموز التاريخية والدينية والثقافية العربية الإسلامية والمسيحية من اجل السيطرة عليها من قبل حكومة نتنياهو وأقطاب اليمين الفاشي، فالذي يجري على ارض الواقع من ممارسة يومية هو هدم للبيوت والاستيلاء على أحياء وبيوت بكاملها، بهدف شطب ومحو الوجود والهوية الفلسطينية من هذه المدينة المقدسة، فالاعتداءات والاقتحامات للأقصى المبارك أصبحت الشغل الشاغل لسياسة الحكومة وبعض وزاراتها من قوى اليمين الفاشي، ويوميًا تتسع المواجهات مع السكان الفلسطينيين في اكبر عملية كفاح ودفاع عن القدس ومقدساتها وسكانها وللحيلولة دون السماح بتقسيم المسجد الأقصى المبارك والتدمير لأحد اكبر الرموز الدينية والعربية لكافة المسلمين وغيرهم في العالم اجمع.
أيعقل ان اقل شعب عددًا بين شعوب الأرض قاطبة، بضعة آلاف، قد نال هويته الوطنية واستقلاله السياسي ورفع عَلَمه الوطني على حدود بلاده، ويملك مقعدًا في الأمم المتحدة، متساويا مع غيره من الأمم والشعوب، بينما يحارب ويكافح الشعب الفلسطيني منذ حوالي قرن من الزمن، وتعصف به سياسة الحرمان والحروب والمؤامرات التي تمارسها حكومة إسرائيل المتعاقبة، بدعم مباشر علني وعملي وصريح سياسيًا وماليًا واقتصاديًا وعسكريًا من قبل الأفعى الأمريكية الأكبر القادرة على تسميم وبث الخوف والرعب والخلاف والانشقاقات بين دول وشعوب المنطقة والعالم اجمع.
فمثلما حكومة نتنياهو لم تعمر طويلا ، فان الاحتلال للأرض الفلسطينية يجب إنهاؤه بأسرع ما يمكن، وهذا واجب الأسرة الدولية في محو آخر تقليعة كولونيالية في المشهد الدولي المعاصر. وان الشعب الفلسطيني صاحب اكبر مواجهة طويلة مع قوى الاستعمار والصهيونية ومن حقه الطبيعي والشرعي ان يفوز بالحرية والاستقلال أسوة ببقية الشعوب الكبيرة والصغيرة القليلة والكثيرة، الشعب سيبقى أما الاحتلال فحتمًا سيزول.
(كويكات/أبو سنان)
