هيّا نتحدث مع إيران قبل أن تقع الحرب

single

جعل إسقاط الطائرة من دون طيار وطائرة سلاح الجو، والردود المتعددة على هذه الأحداث، الحرب القادمة (التي بخلاف سابقاتها، لديها اسم قبل نشوبها) قريبة من أن تكون أكيدة.
وبحسب كلاوزفيتز، الحرب هي "مملكة عدم اليقين"، لكن بالنسبة إلى الحرب المقبلة، هناك أمران أكيدان: الأول أنها ستكون مختلفة عن سابقاتها، وستُكبد الجبهة الداخلية الإسرائيلية ثمناً باهظاً، والأمر الثاني، لا مصلحة لإسرائيل في نشوب هذه الحرب.
قال وزير الدفاع، أفيغدور ليبرمان: "حان الوقت كي نعض وليس كي ننبح"، وربما من المفيد أن نفكر أيضاً. وفيما يأتي خمسة أسئلة مهمة للتفكير فيها.
ما هو جوهر الخلاف بيننا وبين إيران؟ ما لاشك فيه أنه، منذ ثورة الخميني، تنتهج إيران سياسة معادية لإسرائيل بصورة واضحة، وتحضر نفسها لمواجهة معها.
إسرائيل نتنياهو، من جانبها، وضعت نفسها في مقدمة الصراع الإقليمي والدولي ضد إيران، وقد أعرب عدد غير قليل من الإيرانيين، من الذين سنحت لي الفرصة للحديث معهم في مؤتمرات دولية، عن استغرابهم إزاء وقوف إسرائيل في مقدمة الصراع ضدهم.
وقال لي خبراء بينهم إن هناك مصلحة لنتنياهو وأحمدي نجاد (رئيس إيران آنذاك) في إظهار الآخر كعدو وجودي، كوسيلة لتعبئة التأييد الداخلي لنظاميهما.
ينطوي هذا على غير قليل من المنطق. يجب أن نتذكر أنه حتى سقوط نظام الشاه كانت إيران حليفة مركزية لإسرائيل، وحتى بعد الثورة ساعدت إسرائيل إيران في الحرب ضد العراق. منذ تلك الفترة فترت الحماسة التبشيرية للثورة، واستُبدلت باعتبارات داخلية، واقتصادية، واستراتيجية باردة. لذا من الواضح أن المواجهة بين إسرائيل وإيران ليست "لعبة محصلتها صفر للطرف الخاسر" [أي ربح يحققه طرف، هو بمثابة خسارة كلية للطرف الثاني]، وبعيداً عن الخطابات الدعائية، في إمكان الدولتين التباحث وإيجاد قواسم مشتركة.
من أجل ماذا سنذهب إلى القتال؟ هذا هو السؤال الأكثر أهمية في أي حرب، وهو الذي يحدد النتائج إلى حد غير قليل.
في الحروب الكبرى (1948، 1956، 1967، 1973) حاربنا دفاعاً عما اعتُبر وجود الدولة. هذه المرة الحرب ليست وجودية، وليس هناك من يدّعي ذلك. وإذا نشبت، فإن هذا سيحدث لأن إسرائيل وضعت خطاً أحمر ترفض بموجبه وجوداً عسكرياً إيرانياً في سورية، ولأن إيران تتحدى هذا الخط.
إن تعبير "لن نقبل" يُعبر عن تعهد عميق، لكن حقاً هل من الواضح أنه من المفيد لإسرائيل دفع ثمن متمثل بدمار البنى التحتية، وخسارة كبيرة في الأرواح، والدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع دولة قوية، أثبتت تصميمها في الماضي، من أجل منع وجود موقع عسكري إيراني في سورية؟ وهل هذا الموقع يشكل خطراً وجودياً، أو أنه في نهاية الأمر ستضع تغييرات في سورية أو في إيران حداً له؟ وفي جميع الأحوال، لماذا نخوض اليوم حرباً صعبة لمنع تهديد لا تزال خطورته غير واضحة، لكنه ليس وجودياً؟ يجب على زعمائنا الرد على هذه الأسئلة، قبل أن يقودونا إلى الحرب القادمة.
هل يوجد بديل للحرب؟ كنا نؤمن، قبل الحروب التي خضناها في الماضي، بأن أعداءنا يناصبوننا العداء، ويحاربوننا للقضاء علينا، لذا لا فائدة من التحاور معهم. واتضح فيما بعد أنه حتى عبد الناصر، والسادات، والأسد (الأب)، وعرفات، يمكن التحاور معهم.
وربما كان من الممكن منع وقوع الحروب. هل ربما الجزم أنه لا مجال للتحاور مع الإيرانيين غير صحيح؟ إن مثل هذا الحوار لا يجب أن يكون عن سلام عالمي، بل يجب أن يكون هدفه بلورة قواعد لعبة تبعد خطر حرب ليس لنا ولا لهم مصلحة فيها. صحيح أن إسرائيل تستخدم الخدمات الجيدة لروسيا وعدة دول أُخرى، من أجل توضيح نواياها، لكن يجب أن نوضح، ليس فقط ما لسنا مستعدين لقبوله، بل أيضاً ما نحن مستعدون لقبوله. وأفضل طريقة لنفعل ذلك تمر بقنوات الحوار المباشرة والسرية مع إيران. من المفيد أن نعرف بوجود مثل هذا الجهد. وثمة شك في أنه موجود.
هل سيكون في الإمكان منع نشوب الحرب عندما نقترب منها؟ إن الدينامية التي ستؤدي إلى حرب مقبلة يمكن أن تكون مختلفة عمّا عرفناه في الماضي قبل كل شيء لأن المصلحة العليا لإيران و"حزب الله" هي ألاّ يظهرا بأنهما غير مستعدين للضربة الاستهلالية الإسرائيلية. في بداية حرب لبنان الثانية نفّذ سلاح الجو عملية "وزن نوعي" دمّر خلالها مخزون الصواريخ الثقيلة لدى "حزب الله". من المعقول جداً الافتراض أن الدرس الذي استخلصه "حزب الله" من هذه العملية الناجحة مزدوج: الأول، أن يجعل من الصعب على إسرائيل تحديد مكان الصواريخ الثقيلة الدقيقة، والثاني، استخدام هذه الصواريخ قبل تدميرها.
لذا فإن الحادثة المقبلة التي ستقرّب الطرفين من حافة الحرب يمكن أن تخرج بسرعة عن السيطرة. إذا قدّرت إيران و"حزب الله" أن إسرائيل تحضر لتكرار عملية "وزن نوعي" بحجم أكبر كثيراً، فإن مبدأ "Use it before you lose it"  (استخدمه قبل أن تخسره) سيجعل الحرب أمراً لا مفر منها، وسيجعل الثمن الذي ستدفعه إسرائيل لقاء عملية البدء بها باهظاً جداً.
ختاماً، ماذا سيحدث بعد الحرب القادمة؟ لا شك في أنه سيكون هناك حزن كبير وثقيل، جنازات يشارك فيها الآلاف، وفترة تعافٍ صعبة. ربما ستشكَّل لجنة تحقيق، وربما لا. لكن قبل كل شيء، ستبقى إيران موجودة، وسورية، بصورة أو بأُخرى ستبقى جارتنا، وعلى ما يبدو أيضاً، لن يختفي "حزب الله". وإذا لم تبدأ عملية مصالحة بين الطرفين، سنكون مجدداً في بداية مسار سيؤدي إلى "حرب الشمال" الثانية.
*عن "هآرتس" - أستاذ في قسم العلاقات الدولية في جامعة حيفا

قد يهمّكم أيضا..
featured

الاعتراض على المخطط الهيكلي- سبل دعمه وإنجاحه

featured

فتش عن القِطط السِمان

featured

تمويل داعش هو السؤال

featured

مواقف حزبنا الشيوعي في امتحان التاريخ..

featured

"أيا وطني إن خان عهدك خائن فأنا على عهدي القديم أمين"

featured

ويعشعش الحلم في داخلنا مطالبا بالحرية والهوية والدولة والعودة

featured

عن الزيارة الملكية..

featured

35 عاما على انتصار 09.12.1975 .. وحدة لا يغلبها غلاب