رسالة الى محمد بركة: إذهب واحمل معك روح فلسطين، فما ستراه سوف يغني النقاش حول انحطاط الجلاد

single

ألاخ ابو السعيد
ألكتابة ليست كالقول وخاصة في هذا الزمن، الذي اترك لكل انسان حرية تصنيفه.
لقد تحولت ثقافتنا.. نحن اصحاب الميراث  الشفوي الى ملاسنة  ويا ليت شعري سوق عكاظ حيث كان الكلام موزونا و حيث مسؤولية القول والتزام تبعاته. 
في زمن الثرثرة تصبح الكتابة شاهدا عليك.
في هذه الدنيا الفانية هناك مواقف لا تخضع  لحساب الربح الخسارة، بل تدخل في ذمة التاريخ وفي سيرة الرجال والنساء طبعا، وقد قيّض لك ولو متأخرا  ان تتخذ هذا الموقف، وان يحدث الفرز ويتعالى الهرج  وهذا شأن القادة ومن يتبؤون المسؤولية.
لم يكن الزمن منصفا لك في التوقيت، لآن الدنيا في عصر انحطاط،  تلاشت فيها اطر الحوار والقرار وضعفت معايير الاخلاق وانعدمت الحدود  وأصبح كل منا وحيدا : انفرد الطًموح في طموحه وانعزل المنكفئ في انكفائه وتلاشت القضايا الكبرى من العمل اليومي وتحولت الضحية الى جلاد واصبحت  الضحية الجديدة تتقمص شكل وسيرة جلادها وتبحث لها عن ضحية كما اتفق. فلا تخف..
 واحزن ان شئت فهذا هو وقتنا، ولكني اتمنى عليك ان توفر الحزن فأنت قاصد الى موقع الهول العجيب الذي لا يشبهه شيء لا قبله ولا بعده.  وتزنّر بكل القوة و توشّح بكل الضمير والعقل اللذين زوّدتك بهما صدق تجربتك ومعاناة شعبك ودع عنك الهراء، فأنت قادم الى المكان الرهيب الذي مات فيه الضمير وغابت عنه الآلهة واستبد  فيه الانسان على عقله وعلى تراكم حكمته وابجدية كينونته. من يدخل هذا المكان لن يشعر بالأمن ابدا.

 

أخي ابا السعيد:

إن النازية لم تسقط على الارض من كوكب مجهول بل هي نتاج من تفكير البشر، وان الشعب الالماني في ذلك الحين الذي اجتمع حول هتلر لم يكن مغررا به، بل قاتل في غالبيته حتى الرمق الاخير في الدفاع عن عقيدته. لقد كان يرى ويسمع ويشارك، ان الحقيقة المرعبة التي تقوض الشعور بالاطمئنان ان النازيين كانوا اناسا عاديين جدا، يحبون زوجاتهم ويهتمون بتربية اطفالهم ويحرصون على تلقينهم بالمثل العليا  ويستمتعون بالموسيقى الكلاسيكية.  وكان المنفذون  يعتقدون بأنهم يزاولون عملهم بشكل طبيعي وبكفاءة عالية وانهم ينفذون الاوامر الصحيحة.
كان كل شيء يسير بشكل رتيب. وهنا مكمن الخوف والخطر ومن هنا يتحول القول والكتابة والتصريح لمن يعتقد بأنه يمارس دورا سياسيا، مسؤولية كبرى وليس مجرد نعيق لإثبات الحضور وكسب رخيص في المعارك الانتخابية.
وذلك  لا يجوز لاصحاب قضية عادلة ومعاناة بائسة ورسالة حضارية بأيّ شكل من الاشكال وإلا فهي النهاية دون حاجة الى خوض اي معركة. فلا توجد شعوب وامم محصنة ضد الانحطاط والهمجية، لأنها تسري في العروق كالسم قطرة بعد قطرة فيبدو كل شيء طبيعيا.
 لا يجوز لنا ان نتشبه بالمسؤولين عن كارثتنا ونفقد انسانيتنا واخلاقنا المتوارثة بعد ان فقدنا ارضنا وأمننا،وهنا يكمن التحدي الكبير وليس التحدي في انكار المحرقة او التقليل من هولها بتنقيص او زيادة بعض الارقام، لأن ذلك اشبه بالكفر الناتج عن جهل او عن غضب ومعاندة جوفاء.
 إنني اتفق مع استاذي سميح القاسم ان روح الشرق التي تتميز بالتعايش العرقي والديني هي التي تتحكم بثقافتنا  ومعاييرنا الاخلاقية وعلينا التمترس فيها، بينما النازية والفاشية والتمييز العنصري والديني والاستعمار هي مظاهر انحطاط تنشأ في ظروف انهيار الثقافة والمعايير الاخلاقية والاستعلاء الديني وفي ظل استبداد التطور التقني، وهي ظواهر وحركات غربية لم تتلاش كليا ولكنها تعود من وقت الى آخر بأشكال واحجام ومسميات مختلفة.
وهذا ينطبق بوضوح على الصهيونية وما تؤول اليه وتكفي عين واحدة لمشاهدة ذلك بالرغم من كل محاولات التزيين والتجميل المصطنعة التي اصبح يعزف عن الاعتقاد بجدواها حتى معظم القائمين بها. وهنا تكمن مأساتنا ومأساتهم، وهذا ليس مدعاة للتعزية والسلوى عن هزيمتنا بل إشارة الى الخطر المحدق القادم ومدعاة  الى الخوف واليقظة والمسؤلية.  إن عمق أزمتنا يكمن في ان اسرائيل بحكم تكوينها الجيني لا يمكنها إلا ان تكون ذيلا او رأس رمح لاكثر اشكال الغرب في منطقتنا رداءة، لا بل هي تساهم في سرعة انحطاط الغرب نفسه والموضوع الرئيسي للمقالة يتطلب عدم الاسهاب في هذه النقطة لعدم الرغبة في السقوط بالخلط، ولنا موعد آخر.
لا مجال للبحث عن شبه او مقارنة بين مأساة الشعب الفلسطيني و بين المحرقة ولا ضرورة لذلك، فإن انت حكّمت الضمير فلا مكان للمقارنة ولا رابط مباشر بينهما بل استغلال لظرف من قبل سياسيين، وحركات سياسية ـ بالمعنى الاسوأ للكلمة ـ وقد أثبتت التجربة الفلسطينية المريرة والمأساة اليهودية ان لديهم استعدادا للمتاجرة بأي شيء من اجل الوصول الى اهدافهم كما يحصل الآن بالرغم من المأزق الاستراتيجي الذي وصلت اليه دولة اسرائيل وأوصلتنا اليه.
مقابل الملايين من اليهود وابناء الديانات الاخرى وابناء مختلف الجنسيات  الذين ابيدوا في معسكرات الابادة كان هناك مئات الألوف من الجنود والضباط والمهندسين والاطباء، والعلماء من كافة فروع العلوم والفكر،من النساء والرجال وشباب في مقتبل العمر ومسنين يشرفون ويضبطون يوميا ايقاع هذه الآلة الرهيبة ويجرون عليها اعمال الصيانة اليومية والتعديلات من اجل تحسين ادائها، وبنيت معسكرات ورصفت شوارع ومدت سكك حديدية واقيمت محطات ومعسكرات فرز.
 وكانت هناك فرق خاصة للكشف على الضحايا وتصنيفهم، وفرق اخرى لنزع الاسنان اذا كانت من المعادن الثمينة وقص الشعرلإعادة الاستخدام وفرز ملابس وحاجيات التعساء وكان هناك اطباء اكفاء يحددون وقت دخول حمام الغاز بعد التأكد من استنفاد تعساء الحظ لكامل قوتهم وفقدان القدرة على مزاولة الاعمال الشاقة.
لم يكونوا تعساء حظ، بكل معنى الكلمة، لأن العملية كانت من الدقة والتخطيط والدراسة بحيث لم تترك مجالا للحظ.
كانت هناك فرق من الباحثين درست كل الملفات والسجلات الالمانية والتابعة لدول الحلفاء المحتلة لتبحث عن كل من يعود اصله لليهود، وهناك عدد غير قليل من اليهود كليا اوجزئيا اكتشفوا انهم يهود بعد ان اعتقلتهم المخابرات النازية  ولم يكونوا يعرفون ذلك من قبل.
إن الضجة المفتعلة حول هذا الموضوع هي ضجة مشينة، وليس مطلوبا منك الرد بل السؤال لماذا جاءت هذه الزيارة متأخرة،، وكأن الضحايا الابرياء مسؤولون عمن استغل شقاءهم وتعاستهم.
 وكم من الاخوة استغل بشكل مباشر او غير مباشر تعاستنا وكم منا ايضا فعل ذلك. انه وقت الصمت يا ابا السعيد، فهناك من الامور والمواقف التي لا يلائمها إلا الصمت والتأمل والاعتبار، وبعد هذه الزيارة لن تكون الحياة كما كانت قبلها و لن تشعر بالامان ابدا.
هناك من المواقف التي لا يليق معها الا الصمت والتأمل، حتى اسم الله جل جلاله والذي كنا نهمس به حبا وورعا وتأملا اصبحنا نتداوله في وجوه بعضنا البعض من نفس الدين او بين الديانات المختلفة كالقنبلة، واصبح عتاة المجرمين والعنصريين الذين لا يعرفون الضمير و مخافة الله ينبرون للدفاع عن اله ودين القبيلة ويفصلونه على مقاسهم واهوائهم.
 دع عنك تعب اللسان فالكفر عناد او جهل، ومن لا يصمت امام ما انت مقبل عليه ففي انسانيته سؤال، وفي احقيته بالمسؤولية الف سؤال في زمن اصبح فيه الموروث الفكري والثقافي والديني والوطني شظية طائشة تصيب من تصيب ولا فرق.
إذهب واحمل معك روح فلسطين، خيمتنا التي نتظلل بها والوطن المعنوي الذي أشار عبر التاريخ الينا والمخزون الانساني الذي لا ينضب لأنه يشمل الجميع ولا يستثني احدا.
إنه المكان الذي لا يليق به إلا الصمت والتأمل حتى اذا تشدق مرافقوك الذين يدّعون إرث الضحية.
انها قصة الانسان الاداة، واحتمالات التغيير والتكيف الذي لا يؤتمن، وتحول الضمير الجماعي الى وحش مفترس في غياب المشروع الحضاري وفي غياب  او عدم قدرة مسؤولية الطليعة الواعية في القول والكلمة، وهول انفراط العقد والبحث عن الحلول السهلة وتحول الايديولوجيات.
ولنا لقاء بعد ان تعود  لنبدأ الحوار من جديد و نطرح الاسئلة الصعبة  ومن انقاض صفورية قريتك المشتاقة الى روحها ومن ليفتا قريتي المشتاقة الى اهلها ومن ام الزينات والمجدل ومسجد قيسارية نسهم في اعادة صياغة الشرق وبعث روحه. ونبعث من جديد الروح في جيلنا الضحية والشاهد على المأساة والذي انفتح على الدنيا بكل مشاربها وداعبه حلم التقدم والدمقراطية والاممية الذي سوف يحتضن العالم اجمع فيـقـضي على التخلف والاستبداد والفقر.
أما الآن وقد جفت مشاربنا واختفى السراب وتسلل الانحطاط في شريان العالم بدون استثناء فما احوجنا الى الوقفة مع ذاتنا قبل ان تنهار وتتلاشى وما  ستراه سوف يغني النقاش حول انحطاط الجلاد وجنون القوة وفناء الامبراطورية و حدوث المستحيل ومعالجة سقطات ونزوات ضحايا الامتهان وانعدام الامل.
 تأمل ولا تقارن وستعود لنا اجمل واصلب وانضج نتباهى بك، وانظر حولك وانظر أنٌى شئت يا للهول يكاد التاريخ ان يتكرر.
ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ  لنا من امرنا رشدا، والخيرة فيما اخترت يا بركة.


في أمان الله يا ابا السعيد
روما : 20ـ1ـ2010

 

(علي رشيد : ناشط فلسطيني بارز كان عضوا في البرلمان الايطالي في الدورة السابقة وهو ينحدر من عائلة فلسطينية عريقة هجرت ابان نكبة الشعب الفلسطيني  في العام 1948 من قرية لفتا – قضاء القدس)

قد يهمّكم أيضا..
featured

تخرّج أم تبرّج

featured

الثورات العربية سُرقت.. لمصلحة إسرائيل

featured

كلمة وفاء بحق القائد الراحل جمال طربية

featured

ألف وردة يا أستاذ خالد!

featured

بنار المستوطنين ووقود الاحتلال!

featured

حكومة إفقار، تجويع، واستغفال!

featured

عليه لا تجوز الرحمة

featured

أطباء مستشفى بلينسون، كيف تنامون الليل؟