هذه من تصرخ بصوت الغراب سيارة إسعاف جاءت لنقل " عزيز المعلولي " إلى مستشفى نهريا، يقولون إن وضعه مخطر، أصيب بغيبوبة، البعض يقول إن نوبة قلبية ألمّت به. وعزيز المعلولي من أصدقاء عائلتنا منذ أن جمعتنا النكبة في عداد اللاجئين قسرا في أبو سنان. ومنذ أن افترستني المستشفيات بانيابها حكمت الكراهية العمياء بيني وبينها. قلت لنفسي ما اصاب " أبو منذر " عزيز المعلولي ليس مرضا طارئا فقلبه معمّل مصائب متراكمة من مآسي تصرفات ابنه الصغير، قريد العش " عناد ". فقد تطور وحلّق بعيدا خارج سرب طيران اخوته من الشبان والصبايا. حتى سن الرابعة من عمره واجه عناد عسرا في الكلام يتحدث باشارات الاخرس مستعينا باصابع يده ترافقها اصوات تنطلق من حنجرته اشبه ما تكون زعيق او نداء غوث من اصابته مصيبة عقدت لسانه عن الحديث. خفنا – يقول المعلولي، امه وانا ان يكون ابننا مصابا بالطرش الذي يهد حيل لسانه على النطق. اخذناه إلى طبيب اختصاصي في معالجة مشاكل الصم والبكم في مدينة نهريا، وبعد فحوصات عدة زيارات افرغت ما في العب والجيب من حواش سنوات قال الطبيب مطمئنا " لا تخافوا "، فعناد ليس باخرس ولا باطرش، سيفاجئكم بكثرة حكيه ولكن عنده ستكون مشكلة في سرعة استيعاب الامور وفهم المقروء. في احد الايام الباردة من شهر كانون الثاني، كانت الدنيا " كب من الرب " هطول امطار غمرت الوادي المحاذي لحارتنا وغزت مداخل البيوت، نادى علاء على اخيه عناد ان يدخل فقد تبللت ملابسه من المطر. وذهل علاء عندما اجابه بلهجة مهرول مهروق " انا مكيّف وانت مالك، المطر ينعش الجسم و... " ولا يريد ان يسكت. وبين ليلة وضحاها اصبح عناد اكبر ثرثار في البيت إلى درجة ان ضاقت امه من كثرة حكيه فقالت له " لو ظليتك اخرس افضل لرؤوسنا من وجع دماغ ثرثرتك " !.
على رأي والده منذ صغره " كان عقل عناد حِزا ويده فرطة "، لا مكان لديه لمقولة " في التأني السلامة وفي العجلة الندامة " في جداله مع الآخرين " اللكمة تسبق الكلمة “ ولعدم استيعابه للدروس وعدم قدرته الاجابة على اسئلة المعلم كان يفش غله باختلاق استفزاز لجيرانه في الصف، يفتعل عراكا ينقذه من الورطة ويقذف به خارج باب الصف. لم ينجُ من عنف عناد اي طالب من ابناء صفه او اي فتاة من سلاطة لسانه الزفر، حتى إن المعلمين صاروا يخافون من عنف عناد. وبدلا من التفتيش عن وسائل علاجية ناجعة تشفي عناد من حالة نفسية وعسر تعلمي لجأت ادارة المدرسة إلى اهون السبل، إلى " طريقة البتر " فطرد عناد من المدرسة ولم ينهِ بعد الصف الثامن الابتدائي وانخرط عناد في المعترك الكفاحي الوطني وبهرولة المهروق سريعا ما اصبح احد قادة الشباب الحمر والمسؤول عن جمع الإغاثة لشعبنا المنكوب في المناطق الفلسطينية المحتلة. واعتقل عدة مرات ولم يخنع ولم يطعج امام الجلاد. صديق عناد، جوزيف الداهود، توسط لدى والده لاستيعاب عناد للعمل في مرآبهم وكراجهم الفخم. فهذا الكراج العصري أقيم كشركة مساهمة اسهمها الاساسية يملكها والد جوزيف الداهود ومتمول امريكي يهودي اسم عائلته شفارتس. وسريعا ما لقط عناد الصنعة واصبح مرجعا للمهنيين في الورشة. في احد الايام لاحظ عناد ان احد العمال يغير الاوراق المرصعة على قطع الغيار من غير اصلية الى اصلية " أورجينال ". مسكه عناد من خناقه وصاح به " من خوّلك اللجوء " إلى الغش والتزوير لنهب الزبائن ؟ الخواجا شفارتس أجاب العامل ! وكيف وافقت معه، اتصدق من ينهب وطنا من شعبنا ان يكون مستقيما وايديه نظيفة، بصق في وجهه وتوجه الى غرفة الادارة وغسل شفارتس بدنا من البهدلة واجبره على اعادة الترقيم كما كان لان عدم الاستجابة يعني استقالة عناد الذي لا بديل له، وحاولوا عن طريق النساء تدجين عناد، نصبوا له فخا كي يقع في شباك حب لويزا ابنة شفارتس فوقعت لويزا في حب عناد. وخلال اقل من ثلاث سنوات خلفت لويزا ثلاثة اولاد، " تمسكنت حتى تمكنت "، وبينما كانا يتناولان طعام العشاء على شاطئ بحر يافا فاجأت لويزا عناد بقولها " الحمدلله كل الكراج صار ملكنا بعد ان توفي والدي، صار معنا الكثير من الاموال، شو بعد بربطنا مع الحمر حزب الفقراء والغوغاء والمظاهرات، والمخابرات هددوني بالطرد لأنك اصبحت تؤلف خطرا على امن اسرائيل ". " شو رأيك نسيب وجع الدماغ، تعلن انسحابك من الحمر ونبيع الكراج ونرحل إلى لندن فابواب الرزق هناك واسعة " ! هرول عناد مهروقا كعادته في اطلاق الجواب، قائلا: يربطني بالحمر حزب الفقراء موقف الكرامة الوطنية الكفاحية، التاريخ المشرف لهذا الحزب في مقاومة تهويد كل فلسطين الذي شارك والدك بالاستيطان فيها ونهب خيراته. انا وطني هنا، هنا ولدت وهنا سأموت وانت قرري موقفك. خرج الاولاد الثلاثة من خلف الستار، قالوا المسرحية نجحت اردنا اختبارك، هات اقنع جدي الآن انها مسرحية، اردنا اختبار مدى حبه وتمسكه بك وبنا وبالوطن، فاي عيشة هنية بدون وطن وحرية وحورية.
