الوطن جنة الإنسان على الأرض والغربة رحلة إلى المجهول

single

الكويكات: بإنتظار عودة أهلها

 

محمود وزهير اسمان عربيان فلسطينيان، يحمل الأول الجنسية الألمانية والثاني الجنسية الدنماركية، تجاوز كل منها سنين الورد كلها، وأصبحا ما بعد الورد بكثير. محمود محمد الحيش لاجئ من قرية المنشية المهجرة في قضاء عكا، أما زهير نصار فهو لاجئ من قرية كويكات المهجرة في قضاء عكا. لمحمود وزهير صفات كثيرة أبرزها حبهم المشترك للوطن والأهل، وتذوقا مرارة الغربة معا في بلاد الغربة. لكن محمود الحيش أبو طارق، قضى ثلاثة أرباع عمره وهو يتنقل في المنافي ما بين لبنان ومحميات البترودولار الخليجية، وبين دول أوروبا إلى أن استقر به المقام في ألمانيا. أما أبو عاطف زهير نصار فقد تنقل بين كافة مخيمات اللاجئين في لبنان وعاصر كافة مراحل الصراع، وكان شاهدًا ملكيًا على مجمل جرائم إسرائيل والصهيونية ضد الفلسطينيين واللبنانيين، إلى أن استقر به الحال مع عائلته في أوروبا الشمالية في الدنمارك.

 

  • التقيا في الوطن على غير ميعاد

وأخيرًا جمع شملنا تراب الوطن الغالي، هكذا قال محمود الحيش أبو طارق لرفيقه وصديقه ابن بلده، بعد غياب سنوات وسنوات عديدة، دون الالتقاء ولو مرة واحدة. فمحمود له جذور عميقة في قرية كويكات فوالدته أم احمد وتدعى حشمة رحمها الله وطيب ثراها، مولودة في كويكات وجده وأخواله من عائلة مصطفى أبو سيخ هم من أهل كويكات فجذوره كوكانية ومنشية.
لم يكونوا على موعد حين جمعهم تراب الوطن في أواخر أيلول من العام الجاري. كانت ساعات قليلة تفصل بين وصول محمود وزهير، حين وطأت أقدامهما لأول مرة ومنذ (64) عامًا ارض الوطن الذي طالما حلما به. انها فلسطين القلب والأم والوطن، الذي يعيش في  داخلنا وفي قلوب أبنائنا الذين يكبرون ويكبر الحلم الفلسطيني معهم، بعودة أهلها وأبناءها إليها. وعن شعورهما بأهمية اللقاء على تراب الوطن، يقول المهجر أبو عاطف زهير نصار من الصعب وصف الشعور واللحظات لكن إحساسي أني ولدت من جديد، فالوطن انتماء وشعب حي، وما أروع اللحظات التي لا تنسى حين تُعطى الإشارة إلى مجمع الذاكرة ليعيدك إلى أيام خلت من الطفولة وأنت تستعيد شريط الذكريات (64) عامًا إلى الوراء، لتتذكر البيت العتيق والمدرسة والحارة والبيادر وشجرة التين ورمانة عمود البيت وعين الماء، ناهيك عن الصبرات ومختار القرية وعن الألفة والمحبة والتسامح وروايات وحكايات أيام زمان وقصص أبو الحكايا التي لا تنتهي.

 

  • التواصل والاستمرارية مع الأهل والأحباء في ارض الوطن – مهمة وطنية وأخلاقية

لا تسعني بل تغمرني الفرحة العارمة، وأنا انتقل من بقعة إلى أخرى لأتعرف على كل القطع من الجليل والمثلث والنقب، الذي يتشكل منها الوطن الغالي، هكذا عبر محمود الحيش، واستطرد يقول أن زيارة الوطن والالتقاء مع الأحبة والأهل هو واجب أخلاقي ومسؤولية وطنية تتطلب الحكمة والشجاعة في إعلاء شان ومصلحة الوطن والشعب فوق كل شيء، ولهذا يتطلب من كل فلسطيني متواجد في جميع بقاع الأرض شتت وشرد ولا يهم أية جنسية يحمل أو وثيقة سفر، أن يسعى دون تردد، وفي أول فرصة للزيارة والتواصل مع الأهل والأرض في الوطن بهدف إشاعة عملية التواصل ما بين الأرض وأصحاب الأرض. ولكي يعي الفلسطيني في مخيمات التشرد واللجوء القسري، أن في فلسطين يوجد شعب حي بأمس الحاجة إلى التواصل الوطني ما بين الأرض والأهل واللغة والعادات والتقاليد، ولاغناء الذاكرة والبحث في الذكريات عن حاضر وماض ومستقبل القرية والمجتمع الفلسطيني قبل التشرد وما بعده.
وأضاف أبو عاطف زهير نصار: من الأهمية أن تعيش لحظات وساعات بل أيام، وأنت تستنشق هواء ونسمات الوطن المحروم منه، التي تُشفي العليل بعد رحلة اللانهاية في كابوس التشرد واللجوء. هناك أناس في مخيمات لبنان يعيشون ويأملون بان في آخر النفق المظلم لا بد أن يكون نور، وهذا النور هو الحلم الذي اعتادت عليه وهو نور وحلم العودة إلى قراهم وبيوتهم في يوم ما قبل (64) عامًا، واستطرد أبو عاطف يقول: أنا شخصيًا وفي احد أفراح آل أبو سيخ أهل بلدي، وبينما الأهل والأصدقاء يرقصون ويغنون فرحين، إذ يحملوني على الأكتاف مما أصابني نوع نشوة الحلم الذي طالما انتظرناه، وأخذت اسأل كاتب هذه السطور، هل أنا في حلم أم في حقيقة باني أعيش الحلم الحقيقي، باني في فلسطين فعلا وفي عكا وحيفا والقدس والناصرة ومع الأهل، وأنا أصبحت في العقد السادس من عمري. لقد عاش أبو عاطف شهرًا كاملا والشوق والحنان الوطني يشده إلى التمسك والبقاء في الوطن مع الأرض والأهل. ولهذا فهو يرى أهمية هذه الرحلة بان الجنة تعني الأرض والوطن. إذ يؤكد على دعوة الأبناء اللذين لم يولدوا في فلسطين إلى التمسك بالموقف والعمل على تنشيط قضية التواصل مع الوطن وأهله وتوريثها كقصة وطن من جيل إلى جيل، بهدف إفشال المشاريع الصهيونية التي تهدف إلى إفراغ الوطن من أهله ومحاولات تشجيع الاغتراب الوطني بين أبناء الشعب الواحد، وخاصة بين أوساط الشباب الذين يعيش في أماكن عديدة في عالمنا الواسع وخاصة في أوروبا.

 

  • محروم

محمود الحيش أبو طارق، شرد عن قريته المنشية وهو لم يبلغ عمره شهرًا واحدًا. احتضنته والدته واخوته في رحلة المجهول القسري إلى لبنان خوفًا من ارتكاب المجازر، تسلل والده محمد الحيش إلى القرية لكي يستكشف ما جرى فاردته العصابات الصهيونية المسلحة شهيدًا. لهذا عاش محمود واخوته حياة البؤس والشقاء والحرمان. حاول أقاربه وأخواله من آل أبو سيخ العمل على لم شمل العائلة بعد استشهاد أبيه، لكن السياسة الصهيونية الإجرامية حالت دون ذلك. لهذا عاش أبو طارق محمود الحيش يتيم الأب لا يعرف شيء عن شكل أبيه إنما يعرف أو تعرف من جديد على ضريحه التي تحتضنه قرية كفرياسيف المجاورة، ولهذا فهو محروم الطفولة والوطن والأهل إلى جانب سلسلة طويلة لها بداية وليس لها نهاية من المحرومات. أخوه الأكبر احمد ويحمل الجنسية الأمريكية ويعيش وعائلته في إحدى دول البترودولار، وهو محاضر ناجح في إحدى الجامعات في أبو ظبي إلى جانب أختيه مريم وناديا وعائلتهما، ولهذا يشكل لبنان نقطة التقاء في بيت العائلة بعد رحيل الوالدة حيث يجتمع شملنا كلما تسنح الفرصة بذلك.
ويضيف أن قضاء شهر بين الأهل والأقرباء والمعارف وهم كُثر قد عوضني الكثير عن سنوات الحرمان والمعاناة. واستطيع القول أني فعلا ولدت من جديد بعد أن احتضنوني وأحاطوني بالعواطف والحنان والاحترام، وشعرت أن عائلتي ليس بعائلة آل الحيش، وإنما بكل إنسان وطني مخلص لقضيته. فريحة الوطن والأهل كانت وما زالت تلازمني طيلة (64) عامًا وكم أتمنى وأكون مشتاقًا أن يجمعنا الحظ نحن الاخوة والأخوات مع الأهل والعائلة في فلسطين الحبيبة والطيبة وعلى تراب كويكات والمنشية.

 

  • قضية شعب لا يموت


يقول المثل الشعبي، "لا يموت حق وراءه مطالب". ويضيف أبو عاطف زهير نصار، أن قضيتنا هي قضية شعب حي لا يموت، ونحن جيل النكبة والمأساة نهضنا من بين الركام وانطلقنا، بعد أن حاول أبناء جلدتنا من الملوك والرؤساء العرب، بيعنا وقضيتنا للاستعمار والصهيونية لنتشكل ونتكامل كشعب وقضية، ونخطو خطوات ثابتة وحكيمة نحو انتزاع حقوقنا المشروعة كاملة، وسننالها مهما طالت السنين والزمن وجيلا بعد جيل، ومهما تآمرت علينا قوى الصهيونية والامبريالية ودول البترودولار. فإرادتنا أقوى من جبال الجليل والخليل وحرارتنا ساخنة كرمال النقب والأغوار وصبرنا صلب لا حدود له كي يتعب الآخرين، أن وحدة شعبنا بكل أطيافه وألوانه هي الصخرة التي تتحطم عليها كل المؤامرات التي تحاول النيل من إرادتنا الوطنية وحقنا المشروع بالعلم والدولة والهوية ويضيف أبو طارق محمود الحيش، بعد أن يؤكد حديث رفيقه نصار، اننا أصبحنا شعب منتشر في بقاع الأرض. فعندما تقول في أوروبا انك فلسطيني عندها تحظى بالثقة والاحترام. ولهذا فان شعبنا يحصد التأييد والتعاطف الدولي، لأننا أصحاب حق ولا بد بان المجتمع الدولي وفي الفترة الأخيرة، أصبح يتفهم موقفنا ويتضامن مع قضيتنا لما تشكله من أهمية في العلاقات الدولية والتجاذبات السياسية والمصالح الاقتصادية، وأهمية وضع حد لمأساة الشعب الفلسطيني. أن زيارتنا للأهل والوطن هي بداية تفاءل وخير سواء على الصعيد الشخصي والفردي أو الجماعي.
إننا سنعيش منزرعين في وطننا الذي ليس لنا سواه وسنعيش مع الأهل، أما في باطن الأرض أو عليها وسنكون عليها.

 


(كويكات/ أبوسنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

إرهاب حكومي في النقب

featured

كفى سمسرة سياسية بقضية الاسرى

featured

الإسلام السياسي والمد الجماهيري

featured

استعد للسياقة في فصل الشتاء

featured

عن الخيال والواقع: انقطاع الذهن عن الجسد والذات (7)

featured

جريمة اسرائيلية بحق الطفولة

featured

تآكل في الأمانة بين الناس

featured

عرفتك كثيرا.. وأخالني لم أعرفك بعد