عرفتك كثيرا.. وأخالني لم أعرفك بعد

single

القس شحادة، الفلسطيني العروبي الذي رأى في الدفاع عن الأرض زبدة حياته ومآلها..

*أيها القس الحبيب شحادة، لم تكن متفرغا للعمل السياسي.. لأنك راعي كنيستك.. ولكنني رأيتهم مناضلين متمرسين بالعمل السياسي والوطني.. رأيت إميل توما وتوفيق زياد وصليبا خميس وسليم القاسم، وهم الأكبر منك سنا والأكثر تجربة في العمل السياسي، كيف كانوا يعتزون بك ويحترمون دورك*

 


آذار ليس شهر الرقاد في رزنامتنا
آذار ليس شهر الرقاد في رزنامتك أنت بالتحديد..
بعد أيام ستحل علينا الذكرى الـ 35 ليوم الأرض.. وستكون لأول مرّة من دونك.
يفترض أن تكون مشغولا في هذه الأيام بالاجتماعات والمحاضرات واللقاءات في قرانا ومدننا وفي مدارسنا وفي منصات إعلامنا.. تحضيراً ليوم الأرض...
 فهل يجوز لفارس الأرض أن يترجل في يوم الأرض؟!
يجوز.. ويجوز ..عندما يصاب بيقين أن مكلمي الطريق يحفظون الراية، ولا أخالنا سنخيّب أملك ويقينك في صيانة الأرض والبقاء..
وأقول يجوز.. ويجوز أذا تحولت ذكرى الراحل والرحيل إلى نفير يدعو ويحثُّ على مواصلة الطريق..

 

نم مطمئنا أيها الحبيب الراحل،
أذكرك في ذلك اليوم عندما وقفنا خارج قاعة بلدية شفاعمرو، في الخامس والعشرين من آذار العام 1976.. عندما حاولت السلطة الحاكمة في بلادنا أن تجهض قرار الإضراب، فهبّ شعبنا للدفاع عن قراره.. وعن عزمه على الدفاع عن أرضه..
في هذه الأيام المفعمة بالثورة والحبلى بالثورات القادمة، يهتفون "الشعب يريد إسقاط النظام"، وأنت وأنا ونحن نعرف إيقاع الهتاف الأول، في ذلك اليوم الآذاري الذي أطلقه حبيبنا توفيق زياد في وجه المتطاولين على قرار الأضراب: "الشعب قرر الإضراب".
أنت تعلم كما أعلم أن الكثيرين يتبجحون بالنطق باسم الشعب وأن الكثيرين ينتحلون احتكارهم لمصالح الشعب من حكام القمع إلى سياسيي الغفلة، ولكنها قليلة المرّات التي يخرج فيها صوت، يبدو فردا فإذ به صوت الجماعة كلهم..
عندما خرج الهتاف من تونس الخضراء ومن مصر الكنانة: "الشعب قرر"، قالوا من خوّلكم.. فرد الشعب برمته: نحن.
وعندما حاولوا التطاول على زيّاد ليقولوا من خوّلك لتتحدث باسم الشعب في اليوم الآذاري، قلنا نحن الشعب المتحفز للمستقبل: نحن... وكان يوم الأرض.
لست أدري لماذا تتملكني قناعة ما، أن لك أيها القس شحادة دور في ثورات اليوم.. في تلك العواصم التي كانت تبدو غافلة، وفي تلك الشعوب التي كانت تتظاهر بالنوم.
يوم الأرض هو اليوم الذي وقفت على رأسه.. وهو اليوم الذي جسّد قدرة الناس العُزّل على مقاومة الطغيان إذا كانوا موحدين ومجتمعين.
يوم الأرض تحوّل إلى مصدر إلهام للانتفاضة الفلسطينية الرائعة في العام 1987، وهي الانتفاضة التي جسّدت قدرة الناس العُزّل على مقاومة الاحتلال، إذا كانوا موحدين ومجتمعين..
والانتفاضة الفلسطينية كانت جزءا من الهام الثورات العربية التي أعادت تدفق الدم إلى وجوهنا... هذه الثورات التي جسّدت قدرة الناس، على مقاومة وإسقاط أنظمة القهر والاستلاب إذا كانوا موحدين ومجتمعين.

 

أيها القس الحبيب شحادة
عندما أنهيت ورديتي في العمل الطلابي في اوائل الثمانينات جئت إلى حيفا لأعمل في مكاتب لجنة الدفاع الأراضي ، إلى جانب رفيقنا الراحل صليبا خميس، ثم انتقلت إلى العمل في الجبهة إلى جانب رفيقنا الراحل والمعلم الدكتور إميل توما، وكنت أنت هناك... رئيسا للجنة الدفاع عن الأراضي..
لم تكن متفرغا للعمل السياسي.. لأنك راعي كنيستك.. ولكنني رأيتهم مناضلين متمرسين بالعمل السياسي والوطني.. رأيت إميل توما وتوفيق زياد وصليبا خميس وسليم القاسم، وهم الأكبر منك سنا والأكثر تجربة في العمل السياسي، كيف كانوا يعتزون بك ويحترمون دورك..
لم يتغير الحال لاحقا عندما تولّى مهمة سكرتير لجنة الدفاع عن الأراضي الى جانبك كل من الرفيقين العزيزين فضل نعامنة ورجا خطيب.
قد يأتي يوم نلخص فيه تجربة لجنة الدفاع عن الأراضي.. وقد نصل إلى نتيجة فيها مفارقة فظيعة بأن رغبتك ورغبتنا نحن زملاءك في لجنة الدفاع بأن استيعاب التعددية السياسية التي نشأت لاحقا، وتحديدا في أواخر الثمانينات، في إطار لجنة الدفاع، كانت السبب في الإجهاز على دورها، عندما استغّل البعض هذه الرغبة الوطنية الصادقة لزجّ اللجنة في دوامة لم تخرج منها.. سيأتي يوم ونقول كل شيء.
كفاك فخرا حتى في هذه المفارقة الفظيعة، أنك كنت متحيزا بكل جوارحك للوحدة الوطنية..
من جهتي تعلمت من تلك التجربة أنك إذا كنت تملك عنوانا وطريقا صحيحا لكنه يحتاج إلى التصويب او الى بعضه، فلا يجوز لك أن تفاوض على رأسه وعلى وجوده انما على تصويبه وهذه الحقيقة صحيحة، من لجنة الدفاع عن الاراضي إلى منظمة التحرير الفلسطينية.

 

أيها القس الحبيب أبو سمير،
كان يبدو لي أنني أعرفك، فجاء رحيلك وما أعقبه من تدفق للحب الذي كنت تملكه في قلوب الناس لأكتشف أن عليّ أن أعرفك أكثر وأكثر..
أنت رجل الدين التقي الورع، الذي آلمته ذات يوم فذلكة تافهة لأحد الأشخاص التافهين.. والتي مسّت إيمانك، وكنت والتعصب الديني نقيضين.
أنت الفلسطيني العروبي الذي رأى في الدفاع عن الأرض زبدة حياته ومآلها.. حتى كان المرء يخال ان حماستك للدفاع عن الأرض كأنها دفاع عن أرض تملكها شخصيا. كنت
والتعصب والانغلاق القومي نقيضين.
أذكرك في آخر اجتماع شاركت فيه لقيادة الجبهة كيف كنت تتحدث وتُسهب وكأنك تلقي وصيتك الأخيرة لرفاقك، حول أهمية النضال العربي اليهودي وضرورة الحفاظ على وجه الجبهة الديمقراطي والوطني والأممي.
أذكرك وأذكرك.. ترسم طوق النجاة من الغرق في التعصب والانغلاق الذي قد يفرزه الظلم. ومن الغرق في الكراهية التي قد ينتجها الاضطهاد...
تعلمت منك ومن القادة الذين سبقوك وسبقوني، أن الأممية ليس شكلا من أشكال العدمية بل شكل من أشكال الارتقاء بالانسانية وان الوطنية ليست شكلا من اشكال التزمت والانغلاق بل شكل من أشكال الثقة بالذات، وباللغة وبالملامح والانتماء.
أنا ابن يوم الأرض.. والأرض هي الوطن.. وهي بالتالي مهد الوطنية ..والأرض هي الدنيا وهي بالتالي مهد الأممية الانسانية..
هكذا نراها، حياتنا معلقة بين إنسانيتنا ووطنيتنا، توازن بين أحكامنا وبين أحلامنا ، ولا نخشى لومة لائم..
"أنا من هذه المدينة.. من شارع يوم الأرض"، الشارع الذي شقه البلدوزر، الذي هو أنت وجيلك فهل يضير هذا الشارع والطريق، أن تحاول انتحاله بعض من دراجات  "آخر زمن" ؟!.

 

ايها القس الحبيب،
عرفتك مناضلا وإنسانا.. تراوح بين سماحة رجل الدين الحقيقي، وبين براءة الأطفال من ناحية وبين المبدئية التي لا تساوم، من ناحية أخرى
عرفتك ضاحكا تملأ ضحكتك عنان السماء.. وعرفتك حزينا يتألم من الضيم والظلم الذي يلاحق شعبك.
عرفتك نزيها يأنف عن إطلاق الأحكام المسبقة، ويلتمس العذر لأخيه ورفيقه إذا اختلف معه..
عرفتك جليساً أنيسا رقيقا.. واسع الصدر.
عرفتك وعرفتك... وأخالني لم أعرفك بعد بما يكفي لعلوّ قامتك وعمق نبلك.

قد يهمّكم أيضا..
featured

"برافر" بين الفرد والمجموعة

featured

فقيد الصحافة العربية

featured

عام المتغيرات العاصفة

featured

عندما تعجب النفس صاحبها !

featured

"طيفع" والسياسة اللصوصية

featured

وجهة نظر حول الانتخابات: مكاسب الوحدة كثيرة

featured

لاحراز نصر مستحق لجبهة اهل الثقة !