أكدنا دومًا ونؤكد اليوم أيضًا أنّ مقاومة الاحتلال حق طبيعي ومفروغ منه للشعب الواقع تحت الاحتلال. كما أكدنا أنّ المقاومة أيًا كان شكلها يجب أن تصبّ في خدمة مشروع التحرّر الوطني، وأن تهدف إلى دحر المحتل وإحراجه وحمله على الانقلاع من الأرض التي يحتلها ويعيث بها خرابًا ونهبًا واستيطانًا.
ومن هنا فإنّ الإدانة والشجب والتنديد يجب أن يوجَّهوا إلى الاحتلال الإسرائيلي المتواصل منذ 43 عامًا، وإلى مشروع الاستيطان اللصوصي الإجرامي الإرهابي في القدس الشرقية والضفة الغربية. ويجب أن يقال بكل وضوح إنّ هذا الاحتلال وهذا الاستيطان هما العائق الأساسي أمام السلام العادل، والذي هو الضمان الوحيد لأمن وأمان شعوب المنطقة جميعًا؛ سلام الشعوب بحق الشعوب، وعلى رأسها حق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته السيادية المستقلة.
ومن هنا أيضًا نرفض رفضًا قاطعًا دموع التماسيح التي تذرَف في تل أبيب وواشنطن، لأنّ حكّام إسرائيل والولايات المتحدة السابقون والحاليون واللاحقون هم المسؤولون أخلاقيًا وسياسيًا عن كل قطرة دم تراق في هذه البلاد، لرفضهم الانصياع لمتطلبات السلام العادل. ونرفض التباكي الأمريكي على المستوطنين المغتصبين الأربعة الذين لقوا حتفهم في عملية أول أمس قرب الخليل، فأين كانت هذه المشاعر والأخلاقيات الأمريكية النبيلة حين فتكت آلة الحرب الهمجية الإسرائيلية بأطفال غزة وجنين ولبنان بالقنابل الفسفورية والعنقودية؟
ومع ذلك، يحق لنا التساؤل عن سر التوقيت الذي اختارته "حماس" لهذه العملية التي جاءت بعد مهادنة طويلة، وعن الشبهات القوية التي تحوم حول ملابساتها وإسقاطاتها، والتي (من حيث تدري أو لا تدري، والأرجح أنها تدري) تخدم الاستراتيجية التفاوضية الإسرائيلية، والقائمة على فرض أجندة تتصدّرها "المصالح الأمنية" المزعومة، بغية التستر على مواقفها الرفضية والتوسعية.
المفاوضات التي ستنطلق اليوم في واشنطن محكومة بالفشل، لأنّها قائمة على التنكّر الإسرائيلي المدعوم أمريكيًا والمتواطأ معه عربيًا للحقوق الفلسطينية المشروعة. وليست هذه المفاوضات بحاجة إلى مسامير تدق في نعشها. ولكن بما أنّ المعركة الحقيقية ستكون حول هوية المسؤول عن الفشل، فمن الحكمة والمسؤولية بمكان أن تكون المقاومة آلية ضغط على المحتل وليس ذريعة يستخدمها لتبرير تملـّصه وتحايله الاستراتيجيين.
