ما أجمل أن يكون الإنسان من صناع الحياة والمستقبل وما أصعب أن يكون ، وما أروع العطاء والنفع لأن " خير الناس انفعهم للناس " من ينفع الناس يمكث في قلوبهم وعقولهم ويمكث في هذه الأرض الطيبة . ولأنها كذلك على مدار ما يزيد عن ستة عقود من الزمن كانت وما زالت صحيفة "الاتحاد" اليومية التي صدرت وما زالت تصدر في مدينة حيفا عروس البحر ، هذه الصحيفة الغراء التي كانت وما زالت خير معبر عن آمال وآلام الجماهير العربية الفلسطينية في هذا الوطن الذي لا وطن لنا سواه ولن يكون سواه، وكانت الناطق الرسمي باسمنا جميعا في السراء والضراء وليس كالذين يصولون ويجولون في أرجاء المعمورة مستغلين بعض الفضائيات العربية وغير العربية وكأنهم مخولون بالتحدث باسمنا وباسم قضايانا المصيرية بدون إذن وتخويل من احد ، لكن ماوكما قيل فانه لا يصح إلا الصحيح ، ومهما طال الخداع والكذب والتشهير والتزوير للحقائق والتاريخ ، فان حبل الكذب قصير . ومهما كثرت الصحف والقزيطات المكتوبة باللغة العربية تبقى "الاتحاد" على صغر حجمها وردةً للشعب وشوكة لأعدائه "الاتحاد" هي الجريدة العربية اليومية الوحيدة في هذه الديار، وهي أكثر بكثير من كونها صحيفة لنقل الخبر والحدث هي ماض وحاضر، ومن المفروض أن تكون المستقبل للناس وهذا الشعب اذا أحسنوا إدارتها وعملوا على تطويرها بحيث تتلاءم وتتجاوب مع متطلبات وقضايا الأجيال الصاعدة وقضايا العصر وهذا ليس بالمستحيل أمام أناس مجربين وأمام جماهير اجتازت كل الصعاب والحواجز والمؤامرات على وجودها وتطورها واختارت البقاء في هذا الوطن حبا وطواعية . حيث كان للاتحاد الدور الريادي الى جانب كل العوامل الأخرى لهذا الوجود والتشبث والحب والتمسك بالاصاله والعزة والكرامة، لأننا أدركنا ومنذ زمن أن لا كرامة لأي كان ومهما كان إلا في وطنه وطن الآباء والأجداد وبين أهله وربعه وشعبه .
"الاتحاد" كانت عبارة عن مدرسة لتنظيم الجماهير العربية وخاصة عندما كانت توزع مرتين في الأسبوع يومي الثلاثاء والجمعة من كل أسبوع، حيث كانت توزع بشكل منظم من خلال الكوادر الحزبية في كافة القرى والمدن العربية في الجليل والمثلث والنقب والمدن المختلطة، من خلالها كانت اللقاءات مع الناس وفي كل بيت تدخل إليه الصحيفة يدور النقاش حول أمور الساعة وهموم الناس ومشاكلها وكيفية الخروج من هذه الأزمات، وعلى الصعيد القطري والعربي والفلسطيني والدولي يقدم موزعو الاتحاد المداخلات والتحليلات السياسية لكل بيت يدخلونه، وهذا الأمر كان من شأنه توطيد العلاقات الاجتماعية مع معظم البيوت. حينها كانت روح العطاء والتطوع تعتبر من أسس الحياة ورمزا للكفاح والصمود .
في تلك الآونة كان توزيع "الاتحاد" على هذا الشكل يقض مضاجع السلطة واذرعها حتى ان موزعيها باتوا من الملاحقين سياسيا وقد لفقت لهم عدة اتهامات، وهذا ما وضع هذه الكوادر في مواجهة السلطة وسياستها العنصرية ومخططاتها وهذا ما نفتقده في كثير من الأحيان في أيامنا هذه، وهذا ما نحتاجه اليوم لشبابنا وشاباتنا لرسم معالم مستقبلهم بدون تأتأة وبعيدا عن المصالح الشخصية الآنية .
لقد كانت مدرسة وبحق وبدون منازع لكل المثقفين من الكتاب والشعراء الملتزمين بقضايا شعبهم ومجتمعهم، حيث أصبح العديد منهم بوصلة وشعراء مقاومة لهذا الشعب و لهذه الأمة وللإنسانية جمعاء .
هذا الدور الريادي لهذه الصحيفة أعطاها أن تكون الماضي العريق والحاضر ومنارة المستقبل . ولتبقى صرحا ومنبرا ثقافيا وطنيا حرا معبرا عن أهدافنا وطموحاتنا المستقبلية .
(مجد الكروم )
