مفاوضات القاهرة: بين صعوبة النجاح وسياسة الإفشال وتهميش الجوهر

single


ما هو مفهوم حكام إسرائيل لمبدأ وقف إطلاق النار، وتفاهمات القاهرة؟ على الأغلب والأكيد، سيسعى الإسرائيليين إلى مبدأ المراوغة، والعمل على محاولة إجهاض النجاحات والمكاسب الفلسطينية التي تم كسبها في الحرب الأخيرة، كي لا يستند المفاوض الفلسطيني على مكاسب صلبة في المفاوضات القادمة، ويفاوض من منطلق تحقيق الوحدة الفلسطينية واستقلالية القرار الوطني الموحد وزحزحة القضية الفلسطينية والمطالب الوطنية وشرعية وعدالة المطالب أمام العالم اجمع. وفشل عدوان إسرائيل الهمجي من تحقيق أهدافه البعيدة والقريبة، فبالرغم من ضخامة الثمن  المدفوع فلسطينيًا، إلا ان الشعب الفلسطيني خرج من هذه الحرب بهامة مرفوعة وهز الكيان الإسرائيلي امنيًا وسياسيًا واقتصاديًا، ونال من "هيبة الجندي الإسرائيلي الذي لا يقهر" القيادة الإسرائيلية السابقة وكذلك الحالية وهم الأسوأ في تاريخ السياسة الإسرائيلية حكومة نتنياهو وطاقم ائتلافه الحكومي اليميني المتطرف والمتشدد والأكثر عنصرية وفاشية والمقامرة في ترسيخ مبدأ القوة والاستيطان والاحتلال والمتمسك "بأرض إسرائيل الكاملة" في الذهاب بعيدًا في رفض الاعتراف بالحقوق القومية للشعب الفلسطيني.
هذه السياسة التي تفتقر إلى المنطق السليم والى الحكمة في إنقاذ المنطقة وشعوبها من جحيم الحرب وسفك الدم، تأتي على حساب ترسيخ مبدأ الاعتراف المتبادل بين كلا الشعبين والتقارب أكثر لإنهاء حقبة تاريخية مليئة بالصراع وسفك الدماء.
في مفاوضات القاهرة الوشيكة في طالع الأيام القادمة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، سيحاول الإسرائيليون اللعب على أوتار شد الحبل، وأعصاب أهالي قطاع غزة والرقص على الدماء والجراح لدق أسافين بين القيادة والمقاومة، وبين الأغلبية الساحقة من متضرري الحرب اللذين دفعوا ثمنًا غاليًا فيها، وخاصة مع اقتراب فصل الشتاء والبرد. سيحاول الإسرائيليين اللعب مرة أخرى في محاولة للتخلص من استحقاقات وقف إطلاق النار وتنفيذ بنود الاتفاق، خاصة في مواضيع فتح المعابر والصيد والتباطؤ في رفع الحصار على أقصى درجات الانتظار في اقل ما يمكن من الوقت والتنفيذ، ومحاولة عرقلة خطة إعادة الاعمار وتصليح وترميم ما دمرته الآلة العسكرية الإسرائيلية والتجريب في المجال الدبلوماسي الدولي في افتعال الإشكالات مع الدول المانحة، بغية صرف الأنظار عن جرائمها للحيلولة دون تقديم حكام إسرائيل لمحكمة الجنايات الدولية، سيحاول الإسرائيليين قذف الكرة في الملعب الفلسطيني، لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية عجزوا عن تحقيقها في سير الحرب، ولجم وتجريد المقاومة من أهم قضيتين، نزع وتعميق الشرخ الداخلي، من خلال ضرب مشروع الوحدة الداخلية، وخاصة بين أهم فصيلين فتح وحماس، مستغلين حالة التوتر وعدم الانسجام في طرح مبدأ حق الأولوية.
والقضية الثانية، مطلب الإسرائيليين والأمريكيين "وبعض العرب" المأجورين في الخفاء بنزع سلاح المقاومة، وجعل هذه النقطة بالذات موضوع خلاف أساس في التفاوض، مع إدراك إسرائيل مسبقًا بالرفض الفلسطيني الموحد لهذه النقطة بالذات، ثم محاولة الإسرائيليين كعادتهم، إطالة أمد المفاوضات لأشهر طويلة وعديدة تؤدي إلى ملل المفاوض الفلسطيني احمله على الخروج دون تحصيل أي شيء يذكر. فيما يجري التركيز على الحالات الإنسانية، وظهور الإسرائيليين بمظهر الملاك الإنساني الطاهر أمام الرأي العالمي، وخاصة الأوروبي والأمريكي، سيحاول الإسرائيليين إفشال المفاوضات من خلال تخفيف وتهميش القضايا الساخنة المطلبية كي تؤدي الأمور إلى توقف المفاوضات وانسحاب الوفد الفلسطيني منها، ثم اتهام الفلسطينيين بإفشالها، والخروج إلى الرأي العالمي وللشعبين الفلسطيني والإسرائيلي وكذلك المصري، بان الجانب الفلسطيني هو وحده المسؤول عن الفشل، ويرفض الحوار ويفضل البندقية والحرب على مفاوضات السلام وإنهاء معاناة أهالي غزة، وهنا يسأل السؤال: ما هو دور القيادة المصرية راعية المفاوضات غير المباشرة وخاصة عملية وقف إطلاق النار.
القيادة المصرية بقيادة السيسي، تحاول استعادة دورها العربي والقومي الذي فقد لسنوات عديدة في عهدي السادات ومبارك، واللعب بمساحة اكبر تناسب حجم وقدرات مصر على الصعيد القومي والسكاني، وان مفتاح العلاقة في الحل والربط مع إسرائيل باقي من خلال ممارسة الدور المصري في العلاقة بين كلا طرفي الصراع. ان علاقة المصريين الآن هي استمرار لحالة السلام البارد والهادئ منذ سنوات عديدة، فالعلاقة أصبحت مرتبطة بمعاهدة سلام موقعة بين البلدين، ثم ان الإسرائيليين يقبلون بالدور المصري لسببين الأول ان المصريين لا يمارسون الضغط والابتزاز ويفهمون مطالب الإسرائيليين الأمنية والسياسية وتطوير اتفاقية السلام المشتركة وتحقيق الدعم الإسرائيلي غير المباشر لمصر في محاربة وحماية الحدود مع سيناء والقضاء على التجمعات الإرهابية. فالغزل الإسرائيلي المصري في هذا الموضوع، له دلالات بعيدة. ثانيًا التفاهم المصري والأمريكي يأتي من خلال التنسيق المشترك مع الإدارة الأمريكية في كيفية المحافظة والانسجام بعلاقات وتفاهم مصري إسرائيلي، وان للمصريين علاقات وتأثير كبير على الجانب الفلسطيني، الذي لا يتحرك بدون التنسيق مع القيادة المصرية عملا بالكلام والقول ان مصر أم الدنيا، والقلب النابض للعرب من المحيط إلى الخليج.
إن لعب المصريين لدور الوسيط فقط، لا يتناسب مع مكانة مصر عربيًا وقوميًا وشرق أوسطيًا، في ظل عودة القضية الفلسطينية إلى مركز الصدارة عالميًا وفي صراع الشرق الأوسط والانتهاكات الإسرائيلية للاتفاقيات الموقعة مع الجانب الفلسطيني.
إن حجم الدمار وقوائم الشهداء والجرحى الأخذة في الازدياد يوميًا، وأخرها اغتيال القواسمي وأبو عيشة، يتطلب من الوسيط المصري ان يُعيد حساباته مع الجانب الإسرائيلي، وان يمارس سياسة ونفوذ كبيرين، تؤدي إلى تعزيز مكانة المفاوض والمقاومة الفلسطينية، في تحقيق مطالبها الشرعية والعادلة والعمل مع الأطراف الأخرى الأمريكية والأوروبية والرباعية الدولية للتوصل إلى حلول في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي كليًا، الذي هو السبب الأساس في مأسسة شعوب المنطقة بما فيها مصر وتحقيق الحرية والاستقلال للشعل الفلسطيني.
إن النظرة إلى مكانة المصريين في فترة ما بعد الثورة وخلع وعزل الإخوان عن الحكم بعد فشلهم في حماية المصريين وتخريب الثورة والاستيلاء عليها، وجر البلاد إلى خندق العنف والإرهاب. ان مصر اليوم ليست مصر مبارك ولا مرسي، وان الواجب القومي والوطني، يستدعي الإقرار بسياسة واضحة المعالم على صعيد العالم العربي والحفاظ على الأمن العربي، وتحديث اتجاهات السياسة الخارجية، بما يتناسب مع طموحات مصر عربيًا وقوميًا ودوليًا، ان لمصر دور هام في استعادة الشعب الفلسطيني لوحدته السياسية وفي ترسيخ مبدأ الحوار والنقاش على أرضية إنهاء الاحتلال وصيانة الحقوق الفلسطينية كاملة وفي مواجهة سياسة إسرائيل، هذا الدور المصري جدير بالاحترام والتقدير، بناء عليه، فالمطلوب اليوم قبل غدًا الحفاظ على استقلالية القرار المصري، بعيد عن الضغوط الأمريكية الإسرائيلية، وان تعكس السياسة المصرية روح وتوجهات الشعب المصري في التحرر من السيطرة والهيمنة الأجنبية، بما يخدم تطلعات المصريين والعرب عامة نحو مستقبل أفضل وآفاق مستقبلية من التطور والازدهار.
إن وقوف القيادة المصرية إلى جانب الكفاح والتحرر والاستقلال ومجابهة المشاريع الصهيونية والأمريكية والأوروبية، وعلى رأسها الوقوف بحزم في وجه سياسة من يرمي لتصفية الحقوق الفلسطينية، سواء كان إسرائيليًا وأمريكيًا وحتى عربيًا، هو ما يجدر ان يميز السياسة المصرية تحت قيادة السيسي.
إننا نتطلع إلى دور ومشاركة اكبر للاخوة المصريين في مساندة الحق الفلسطيني، في فترة ما بعد الحرب، والسعي الدائم في إنجاح المفاوضات من خلال تغليب مصالح وحقوق المظلوم في وجه الظالم. تمهيدًا لتحقيق نوع من الإنصاف والعدالة للشعب الفلسطيني، وكبح جماح العنجهية والقمع والوقوف في وجه سياسة التوسع والإنكار والاحتلال والعربدة التي تمارسها حكومة نتنياهو في مجرى مفاوضات القاهرة التي تكون قد انطلقت، وإنقاذ هذه المفاوضات قبل ان تلقى مصير سابقاتها من الفشل المحتوم، إذا أصرت حكومة إسرائيل على إجراء المفاوضات وسط استمرار تسلط العصا، اما الضرب بالكرباج أو القبول بالمفاوضات حسب الشروط الإسرائيلية في ظل الصمت والتهادن المصري، عندها فاحتمالات انفجار حرب أشد على شعوب المنطقة والعالم أكثر.



(كويكات/أبوسنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

...والقافلة تسير

featured

جواب مهم للصديق عبد الحكيم مفيد

featured

الكذب مُكدَّس على الطرقات!

featured

المطران المناضل كابوتشي

featured

رجل المهمات الصعبة

featured

وحدة اليسار الفلسطيني بين الحاجة الملحّة والواقع المؤلم

featured

وسام شرف لسعيد نفاع