تشهد الساحة السياسية والبرلمانية في إسرائيل هذه الأيام تراشقًا انتخابيًا وحراكًا إعلاميًا هامًا بعد قرار رئيس حكومة اليمين نتنياهو الذهاب إلى انتخابات برلمانية مبكرة، وذلك في شهر كانون الثاني من العام الجديد المقبل سنة 2013، بعد ان اصبح من المؤكد انه سيفشل في تمرير الميزانية العامة القادمة في الكنيست. في الوقت الذي اجرى فيه مشاورات مع الكتل البرلمانية الكبرى وشركائه في الائتلاف اليميني الحاكم.
ان تقديم موعد الانتخابات البرلمانية، قبل موعدها الرسمي بحوالي ثمانية أشهر، مُرحب به من الأوساط الشعبية والطبقات والشرائح المتضررة من أسوأ حكومة عرفتها بلادنا في عدائها للفقراء والضعفاء ومن مصلحتهم السياسية والمعيشية إلى ان تذهب هذه الحكومة ورئيسها إلى غير رجعة. لكن التوجه في مثل هذه الحالة السياسية ليس دليلا على رسوخ وثبات الديمقراطية بما يعني اللجوء إلى قرار وحكم الشعب. وتاريخ الخارطة السياسية والحزبية في إسرائيل يشير بان الدورات الانتخابية للبرلمان أو الحكومة في أغلبيتها لم تكمل دورتها القانونية حتى النهاية، وهذا يعود وبشكل عام ومنذ عشرات السنين إلى التخبط السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تعاني منه إسرائيل وكل الحكومات المتعاقبة، فمنذ سنوات صعود الليكود للحكم سنة 1977 وإسرائيل شعبًا وحكومة تتجه نحو اليمين واليمين المتطرف في المجالات العامة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. في الوقت الذي تراجعت فيه القوى والأحزاب ومجمل اليسار الصهيوني من قوى السلام والديمقراطية التي أصبحت محاصرة نتيجة للمد اليميني والعنصري بدءًا من رئيس الحكومة، وليبرمان اكبر مثال حتى المواطن العادي والمستوطن الذي شجعته وشرعنت أعماله وموبقاته الفاشية تجاه العرب أولا ومجمل الحياة العامة في إسرائيل، حكومة في قيادتها نتنياهو وليبرمان ومن لف لفهم.
من الواضح ان نتنياهو أصبح في الفترة الأخيرة يعيش جنون العظمة ويميل للمغامرة، كي يظهر للأقطاب الصهيونية ومنافسيه في الليكود وفي الأحزاب الصهيونية الأخرى، وعلى امتداد شخصيات الدولة كلها من اليمين واليسار، انه الوحيد القادر وسياسته المتشددة والمغامرة على حماية أمن إسرائيل من الخطر الإيراني وصواريخ حزب الله وحماس وغزة إذ ما شن الحرب او بادر اليها بنفسه، وانه يجب تسخير كل شيء حتى تجويع الشعب من اجل المحافظة على قوة الردع الإسرائيلي والمحافظة على التفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة، ولهذا تظهر نقطة الاختلاف الفرقاء داخل الائتلاف اليميني الحاكم. وبدأ تصدع الحكومة والشراكة اليمينية مع نتنياهو باختلاف داخل الائتلاف على كمية وحجم المصالح السياسية والاقتصادية لكل طرف من أطراف الائتلاف، إذ يحاول كل فريق ان يحافظ على مواقفه وامتيازاته في الميزانية العامة القادمة، هكذا حزب شاس وكذلك براك في وزارة الحرب وغيرهما.
فالذاتية تقتل الجميع والجميع يلهث وراءها، من اجل إيجاد له مكان في الخارطة السياسية والحزبية والحكومية القادمة. لذا كان التهديد بتقديم موعد الانتخابات إلى شهر كانون الثاني القادم وأصبح الإقرار بذلك حقيقة مما يعني اعادة خلط الأوراق وتقسيم السياسة المقسمة إلى مصالح حزبية ضيقة تنهش في جسم الشعب الذي هو يدفع تكاليفها لأنه أصبح أسيرًا طوعيًا للسياسة الصهيونية المرتبطة سياسيًا واقتصاديًا مع الامبريالية والأمريكية بشكل خاص وحيتان رأس المال الداخلي والخارجي.
لكن نقاط الالتقاء والتعاون بين الشركاء كثيرة. فقوى اليمين متفقة على تعطيل المفاوضات السياسية المعطلة أصلا منذ ان اعتلى نتنياهو واليمين سدة الحكم، وفي رفض المبدأ وتهميش المطلب العالمي العام بإقامة الدولة الفلسطينية على حدود 67، والسعي المحموم من قبل اليمين وبعض الوزراء في حكومة نتنياهو في محاولة مكشوفة ومفضوحة لإسقاط السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس بإظهاره رافضًا للمفاوضات وعملية السلام كما يرتئيها اليمين ونتنياهو بدعم مباشر من السياسة الأمريكية في المنطقة وبالطبع لا خلاف بين أطراف الائتلاف واليمين عمومًا، على زيادة واستمرار بناء المستوطنات، وعلى الصعيد الخارجي والدولي تراهم يتفقون على ان الواجب الأمني يستدعي ضرب إيران عسكريًا للقضاء على برنامجها النووي للاغراض السلمية، بينما المخفي هو محاولة إسرائيل ومنذ مدة طويلة ما بعد الثورة الإيرانية، العمل على فض التحالف الإيراني السوري وحزب الله وحماس، لان هذا التحالف يستهدف التصدي لعدوانية إسرائيل بالتعاون مع الولايات المتحدة من اجل مد نفوذهما على كامل مقدرات الشرق الأوسط.
إن الإعلان عن شهر كانون الثاني 2013 موعدًا لإجراء الانتخابات البرلمانية يعني ان الفرصة متاحة لإحداث تغيير حقيقي في السياسية الاقتصادية ومجمل القضايا العامة. ويجب توحيد كل الجهود أولا لمنع عودة اليمين إلى سدة الحكم، وإعطاء دفعة للأحزاب التي تعنى بالبرامج الاقتصادية والمعيشية للمواطنين عامة. على المواطنين إيصال قوى سياسية تفتح آفاق التعاون مع الشعب الفلسطيني بإجراء مفاوضات طبيعية عادلة تنتهي بالتخلص من الاحتلال والقمع والاضطهاد وتعمل مع الشريك على استعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه المشروعة.
فإمكانيات التغيير متوافرة بدليل ان حكومة نتنياهو واليمين قد خلقوا بأنفسهم ثمار ورياح التغيير، فجميع قطاعات الشعب تعاني الويلات الاقتصادية والاجتماعية التي أنزلتها هذه الحكومة على مجموع الشعب، فالشرق الأوسط ومنذ قرابة العامين وهو يشهد تحولات سياسية واجتماعية هامة وبالطبع إسرائيل مهما تتنكر فهي جزء من شعوب الشرق الأوسط. والطبيعي ان تشهد تغييرات هامة على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ومعركة الانتخابات القادمة يجب ان تكون حول كيفية إدارة الواجهة السياسية والاقتصادية والتعامل مع القضايا والمستجدات الجديدة التي حصلت مؤخرًا في المنطقة.
(كويكات/أبوسنان)
