محمد علي يسحق التمرد الوهابي

single

 


*فيما يلي الحلقة الرابعة من بحث حول "إشكالية الدين والسياسة"، تنفرد "الاتحاد" بنشره على عدة حلقات*

 


نظرا لانشغال السلطنة العثمانية بالحروب في أوروبا  صدر الأمر السلطاني "من خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم سلطان محمود خان ثاني بن عبد الحميد خان أول سلطان أحمد لصاحب مصر محمد علي باشا بالتجهيز لقتال الوهابية" وكان ذلك في سنة 1226 هجرية. جهز محمد علي باشا جيشا جعل عليهم بفرمان سلطاني ولده طوسون باشا. ردت القبائل الوهابية  الهجوم في بادئ الأمر. كان ذلك في شهر ذي الحجة سنة 1226؛ فحشدت حملة ثانية بقيادة إبراهيم باشا. استولت العساكر على ما كان بيد الوهابية وملكوا الصفراء والحديدة وغيرهما في رمضان بلا قتال، بل "بالمخادعة ومصانعة العرب بإعطاء الدراهم الكثيرة حتى أنهم أعطوا شيخ مشايخ حرب مائة ألف ريال، وأعطوا شيخا من صغار المشايخ حرب أيضا ثمانية عشر ألف ريال ورتبوا لهم علائف تصرف لهم كل شهر". دخلت العساكر المدينة المنورة في أواخر ذي القعدة.  سار محمد علي بنفسه في شعبان سنة تسع وعشرين ووصل إلى تلك الديار وقتل كثيرا منهم وأسر كثيرا وخرب ديارهم، وفي شهر جمادى الأولى سنة تسع وعشرين مات سعود أمير الوهابية وقام بالمُلْك بعده ولده عبد الله ورجع محمد علي باشا من تلك الديار بعد أن مهد أمور الحجاز، وأباد طوائف الوهابية التي كانت منتشرة في جميع قبائل الحجاز والشرق وبقي منهم بقية بالدرعية مع أميرهم عبد الله بن سعود فجهز محمد علي باشا لقتاله جيشا وأرسله تحت قيادة ابنه إبراهيم باشا، وكان  ذلك في أواخر سنة إحدى وثلاثين. وصل إلى الدرعية سنة اثنتين وثلاثين ونازل بجيوشه عبد الله بن سعود في ذي القعدة سنة 33،، ورجع إبراهيم باشا من الحجاز إلى مصر في شهر المحرم من سنة 35 بعد أن أخرب الدرعية خرابا كليا".
هكذا سقطت الدولة السعودية الأولى عام 1818م، وتم أسر عبدالله بن سعود وأخذه إلى القاهرة ثم الآستانة. وظل الجزء المسيطر عليه من الجزيرة تحت القيادة المصرية حتى تراجعت مصر عن كل ما سيطرت عليه في أواخر عهد محمد علي بعد الحرب بينه وبين العثمانيين والتي انتهت بهزيمته رغم اقترابه من الآستانة، بسبب التدخل الأوروبي لصالح الآستانة.
قامت الدولة السعودية الثانية على يد تركي بن عبد الله، وعاصمتها الرياض عام 1821، واستمرت حتى عام 1891م، حين أسقطها محمد بن عبدالله آل رشيد أمير حائل وعموم نجد، والذي كان يتبع العثمانيين ويتلقى مساعداتهم. ونظرا لنفوذ آل رشيد على نجد خلال القرن التاسع عشر لم يحفظ التاريخ شيئا عن دولة السعوديين الثانية.
التجأ آخر حكام الدولة السعودية الثانية، عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبدالله إلى الكويت وهناك حدث اللقاء بين عبد العزيز بن عبد الرحمن وقنصل بريطانيا في البصرة، وتوثقت عرى التعاون بين السعوديين والبريطانيين. واستنجد عبد العزيز بالوهابيين من جديد.

 


 
*توطيد التبعية لبريطانيا*

 

فى الخامس من شوال عام 1319 هـ، الموافق الخامس عشر من كانون الثاني عام 1902 م، قامت دولة آل سعود الثالثة. فتحت صفحة جديدة من صفحات شبه الجزيرة العربية. بدأت علاقة الملك عبد العزيز بن سعود مع بريطانيا فى الكويت عندما كان يعيش فيها لاجئا مع أبيه عبد الرحمن. جاء تمرد حاكم الكويت، الشيخ مبارك الصباح على الدولة العثمانية وتحالفه مع بريطانيا، مثالا ملهما للأمير الطموح المصر على استعادة مجد العائلة. أمرت تركيا احد ولاتها فى حائل وهو عبد العزيز بن رشيد بالاستيلاء على الكويت وتأديب أميرها المتمرد؛ فاستعان حاكم الكويت بابن سعود لقيادة كتيبة كويتية لاحتلال الرياض في اذار 1901 ولكنه مني بهزيمة منكرة اضطرته ان ينسحب، فيما أخذت قوات ابن رشيد تلاحقه حتى أسوار الكويت ولم ينج منها إلا عندما أوقفتها المدافع البريطانية.
تعلم ابن سعود أن الاعتماد على قوة مثل بريطانيا شيء مهم. وفى العام التالي عاد مع مجموعة صغيره من أتباعه الإخوان، ونجح فى اقتحام قصر الإمارة بالرياض وقتل الأمير بن عجلان عامل بن رشيد. وكانت عملية استيلاء عبد العزيز بن سعود على الرياض حلقة من سلسلة طويلة من الصراع داخل الحركة الوهابية بعيدا عن إرادة الشعب واعتمادا على منطق القوة والقهر والغلبة. ورغم ان ما حدث من استيلائه على الرياض بتلك الصورة يعتبر تمردا على الحاكم العثمانى والخروج علي الخلافة العثمانية التي كان يعترف بها السعوديون فى ذلك الوقت، إلا ان ابن سعود امتلك من الحنكة ما دفعه للإعلان أنه سيحكم باسم السلطان العثمانى. أما فى الواقع العملي فلم يكن بعيدا عن أعين بريطانيا ودعم الكويت؛  فكانت الكويت تدعم ابن سعود اقتصاديا وعسكريا، كانت بريطانيا فى ذلك الوقت تعمل على فصل إقليم الإحساء عن الدولة العثمانية وإخضاعه للحماية البريطانية. 
 بذلت بريطانيا عدة محاولات مع أهالي الإحساء لدفعهم للتمرد وطلب الحماية البريطانية الا ان الأهالي رفضوا ذلك وتمسكوا بالخلافة العثمانية، مما دفع بريطانيا الى إعطاء الضوء الأخضر لابن سعود لاحتلال الإحساء. وقد قام بهذه المهمة عام 1913 فى الوقت الذى كانت تركيا تواجه أكثر من مشكلة وزحف الجيوش على ولاياتها واستيلاء الطليان على ليبيا. 
حافظ ابن سعود على التظاهر بالخضوع للولاية العثمانية؛ ثم  كشف عن انحيازه ضدها والوقوف بجانب بريطانيا ضد الخلافة الإسلامية عند اشتعال الحرب العالمية الأولى، وقد برز ذلك من خلال توقيعه اتفاقية مع بريطانيا سميت بمعاهدة "دارين" التي وقعها فى 26 كانون الاول 1915 والتي اعترف بموجبها بالآتي: 
اتباع نصائح بريطانيا وبحقها في الإشراف على علاقاته الخارجية.
عدم إقامة اي علاقات مع اي قوى أجنبية إلا بعد الحصول على موافقة بريطانيا.
الاعتراف بهيمنة بريطانيا على الإمارات الخليجية.
وفي المقابل: اعتراف بريطانيا بابن سعود وبحكمه والعمل على توسيع حكمه. وضمان الحكم له ولذريته من بعده بشرط التوافق على المصلحة البريطانية.
وصادف ان تلقى الحسين بن علي في نفس الوقت رسالة من سردار وحاكم السودان، وينغيت، تضمنت التعهد أن تبقى الجزيرة العربية والأماكن المقدسة دولة مستقلة موحدة بعد انتهاء الحرب. لم يجرؤ الإنجليز على دخول الجزيرة خشية ثورة المسلمين في الهند ومصر. وحين وصل جورج بيكو، وزير خارجية فرنسا إلى بريطانيا للاتفاق على تقسيم الامبراطورية العثمانية، كان مكماهون، المفوض البريطاني في مصر، يخط رسالة إلى شريف مكة اقر فيها باستقلال الجزيرة والموافقة على خلافة عربية حالما يعلن عنها. (يتبع)
(كاتب وباحث فلسطيني مقيم في رام الله)
*إشارة: هذه الدراسة ارسلها الباحث سعيد مضية، أيضًا، الى ندوة معهد اميل توما حول "الوهابية ودورها في المشاريع الامبريالية في المنطقة" وقامت سلطات الاحتلال بمنعه من المشاركة في الندوة وقُدّم ملخص عنها

قد يهمّكم أيضا..
featured

صفقة القرن لن تمر لأنها "طبخة شايطة"

featured

حكومة إفقار، تجويع، واستغفال!

featured

لن ننساك أبدا أيها الأستاذ والصديق والرفيق

featured

السلام محبة جميلة

featured

تونس، نموذج قابل للتكرار

featured

إسرائيل: التدحرج إلى رتبة "أحمق الحي"

featured

جبناء إسرائيل

featured

ان نكون احرارا... ان نكون اقوياء