أبو صالح شخصية بيتوتية ولعل هذا الوصف يشكل مفاجأة لاكثرية من عرفوه، ولن يصدقوا ان الراعي الذي قضى طفولته ومطلع شبابه في الجبال وعمل مخضِّرا لحراسة الاراضي المزروعة بالزيتون والتين والخضار متجولا او على صهوة جواده ساعات النهار واطراف المساء، زوج واب بيتوتي، محب للبيت. فيما مضى من أيام شبابه وكهولته لم تكن لديه الحجج الكافية ليفرد قدميه في البيت،لان الزيارات والواجبات الاجتماعية كانت كثيرة وتنتظره مساء بعد عودته من السهول.
أما اليوم في شيخوخته فتعلل بالضعف والتعب وتقبلها الأقارب منه والعديد من الأصدقاء خاصه الأصغر سنا فهم يزورونه باستمرار ويستمعون الى قصصه الطويلة عن اعشابه التي يحبها ويقدمها كعلاج لبعض الحالات مثل عشبة الكلى وعشبة مرض السكر ولا ينصرفون الا وبايديهم ضمة حبق للكبة او مردقوش او اكليل الجبل والمرمية.
و كما يميز الطفل الرضيع رائحة امه حال ولادته... وكأنه كان يشمها وهو داخل بطنها... يستطيع ابو صالح تمييز رائحة الربيع لأنه يمتلك موهبة شم قوية ومتميزة بالفطرة.... وكثرة الرعي في الجبال التى قضى طفولته ومطلع شبابه فيها قد أكسبته ذلك التدريب المتواصل ليصنف الروائح. تجاربه وذكرياته ترتبط بروائح.. ولكل رائحة طريقة خاصة في استجلاب احدى ذكرياته...
فليلة الجمعة هي ليلة مباركة وام صالح تحضر مبخرتها بعد أذان العشاء وحال انتهائها من الصلاة تضع فيها بضع جمرات وترش فوقها قطع البخور لإيمانها بفاعلية هذا البخور في اجتلاب الملائكة الى بيتها لتأكل من هذه الرائحة... وسينسحب الجن هاربا لانه يعشق الرائحة النتنة ويتقزز من الطيب والعنبر.
أول شباط حتى أواخر آذار... هو شهر الخضرة... العلت والخبيزة والسلق... عكوب ومرار تطبخه ام صالح مع سميدة خشنة وايضا الفول الاخضر...وهو نوعان القبرصي وهو الحبة الكبيرة في القرن الطويل العريض والمصري الحبة الاصغر بحجم حبة الحمص تقريبا وقرونه ارفع... بالأمس سلقت ام صالح الفول البلدي وضعته في مصفاة عصرته من ماء السلق ثم اضافت اليه تقلاية البصل مع زيت الزيتون. صحيح ان العلت ما شاء الله عنه لكن الفول المسلوق وعليه قلاية البصل والزيت أكثر طراوة لمعدة ولأسنان الكبار مثله ومثل زوجته أم صالح.
رائحة الزعتر والزوفا بدأت بالانتشار... لم يجسر على مد يده وقلع بيت زوفا... اخبروه ان الجزاء يكون باهظ الثمن... لا تنقصه البهدلة لقد زرع شتلة بجانب سور البيت، صحيح انها يانعة وخضراء ومفرفحة لكنها ليست حادة الطعم كالجبلية... حياة الجبل تضفي شعطة ( كما هو قوي ويشعط ) لن ينسى ما دام حيا يوم اخبرته ام صالح انه شعطها شعطا من المرة الاولى. كما هو الزعتر والمرمية وعشبة الشاي والزوفا لكن حاكمك ظالمك، نصّت قوانين حماة الطبيعة الجدد على ان كل من يضبط ومعه إحدى هذه الأعشاب سيدفع جزاء ماليا كبيرا...
على التلة المحاذية لحدود القرية الغربية حيث تشرف هذه التلة على القرية وما حولها حتى بعد البروة والبحر البعيد في عكا انشأت مستوطنة تسوريت للذين يستحقون شم الهواء النقي والشمس الطالعة كانت سفوح الجبل سابقا مزروعة بالزيتون وكروم العنب.
خصصت هذه الارض الموعودة لمستوطنهة احتلت مساحتها رأس التلة وما تبقى من سفوح التلة شكلت مجموعة طوبوغرافية مرتبة هندسيا لطرق الموتورات التي يستقلها المرفَّهون ايام السبت في جولاتهم مع اصدقائهم وعائلاتهم.
خلال بضع سنين تراكمت اعداد من البشر في قرية مجد الكروم... واليوم...تحولت هذه الأعداد إلى باحثة عن أماكن للسكن..انها أجيال تختلف عما كان الأسلاف يفعلون.. بسبب الشعور بالغبن المتزايد والانتقاص في حقوقها بفعل حكومة جل أعضائها من القادمين من اماكن بعيدة حديثي العهد في البرلمان.
وقد احتج الساكنون على التلال والمتمتعون بالهواء النقي والشمس الدافئة: انتم يا معشر السكان هنا...الا تستحون من انفسكم عندما تحاولون الاستيلاء على اعشاب الجبل في مستوطناتنا؟ الاتخجل نساؤكم من قلع العلت والسلق من الاراضي المحيطة بنا؟
لقد أقمنا المستوطنات النظيفة والجميلة وصرفنا كل ما في وسعنا لجعلها وجعل هذه البلاد وطنا صالحا للعيش فيه بعد ان كانت في الماضي مرتعا للكلاب والضباع.
تململ ابو صالح في جلسته فتح النافذة هاهم قد عادوا من ذلك المطعم الذي اقيم في الجهة الغربية الشمالية قرب الرصيفة عند الليات وهو المطعم الذي كتب عليه "إنديانا"، لقد شاهد صورة الرجل الهندي المرسومة على اللافتة يرفع رأسه بفخر على النعمة التي أسبغها عليه أسياده ليخدمهم ويطبخ لهم.
- انا لا احب اكل المطاعم ولا اشبع الا في بيتي ولست هذا الاحمق الذي يفخر بصورته المرسومة على يافطة في ارض ليست له.
لا يمكنه الذهاب الى هناك ورؤية ارض الرصيفة والى الاعلى ارض ام الفار التي كانت شقفة ارض لعمه ابو احمد،حيث جرت فيها أشد المعارك ضراوة بين جنود الاحتلال والثوار وامتدت إلى منطقة الليات وحتى جريد شمالا ومن فوقه القرنيفة وبعدها وفي منطقة الوديان والمغر، كانت ماعز "أبو صالح" تبيت ليلتها بهدوء وسلام خاصة القارسة والممطرة منها.
قفز حفيده نحوه
- جدي هل صحيح ان أرضك كانت عند معسكر الجيش؟
- ايوه يا سيدي عند معسكر الجيش- وما خفتش من الجيش؟
- لأ، ما خفت، أنا مش قاعد بأرض أبوهن.
صمت "أبو صالح"...
- اليوم في أيامنا لا مكان للإنسان ولا الحيوان، الأماكن كلها تتراجع من اجل الدبابات والمجنزرات والسجون وخوازيق الاسيجة والأسلاك الشائكة.
اخرج جرابه المنتفخ والممتلئ بالدخان العربي وجعلت يده المرتجفة تبحث عن دفتر الورق الناعم المخصص للفافات الدخان.
