الإعلام الانتقائي

single

كل انتقاء يقتضي بالضرورة الترك والحذف، وهذا هو مكمن الخلل الجذري في المناهج الانتقائية، لأنها تحتكم إلى المزاج الشخصي والمصلحة الذاتية.
وفي ضوء هذه النزاعات وما تفرضه وتفرزه من استقطاب وتجاذب، فإن الإعلام هو من الضحايا، حتى لو ظن القائمون عليه أنهم قادرون على التعتيم والإضاءة حسب مقتضيات الحاجة.
الإعلام الانتقائي غالبًا ما يوصف بأنه أعور، يرى جانبًا من المشهد فقط وهو الجانب الذي يناسبه ويتناغم مع أطروحاته السياسية، لهذا أصبحت حكاية الفيل والعميان الستة واقعًا وليس مجرد أسطورة، فإذا كان العميان الذين سقطوا على الفيل وصف كل منهم العضو الذي ارتطم به، فإن الفيل الحقيقي هو حاصل جمع ما قاله العميان الستة وليس واحدًا أو اثنين منهم.
فما يصفه أو يعلق عليه الإعلام الانتقائي هو جزء من المشهد، أما الأجزاء الأخرى، فهي مسكوت عنها بتواطؤ وعلى سبيل المثال فقط هناك فضائيتان أشبه بخندقين متقابلين، ولكل منهما غرفة عملياتها الميدانية والأرضية لا الفضائية، نضطر أحيانًا إلى جمع ما يصدر عنهما من أخبار وتقارير للإحاطة بالمشهد كما هو وليس كما تريده كل واحدة منهما.
هذا التجسيد للانتقاء وبالتالي الحذف المبرمج قد لا يتوقف عند الخنادق الفضائية، وبالتالي يمتد إلى كل وسائل الإعلام، سواء كان مسموعًا أم مرئيًا أم إلكترونيًا والنتيجة المحتمة لهذا الانتقاء مع سبق الإصرار والترصد هي ضياع الحقيقة بحيث تتعدد تبعًا لأهواء يزعمون احتكارها!
ومن أمثلة الانتقاء نزع مفردات أو عبارات من سياقاتها بحيث تعني عكس ما أراد لها أصحابها أن تعنيه، وأحيانًا يتم تلفيق "كولاج" سواء عبر الفيديو أو الكلام المسجل كل ما يرد فيه له دلالات مضادة، وهذا بحد ذاته فن جديد ينتسب إلى فقه التزوير الذي أصبح سائدًا في أيامنا.
ورهان من يمارسون ذلك هو أن التلفيق الانتقائي يؤدي دوره قبل أن تصدر أي محاولة لكشفه وافتضاح أسراره، ليس فقط لأنه يشكل الانطباع الأول أو ما يسمى القطفة الأولى بل لأن الأحداث المتسارعة بشكل محموم لا تتيح لأحد أن يراجع ما سمع لأنه منهمك في خبر آخر.

قد يهمّكم أيضا..
featured

أمريكا والتلاعب بأوراق الحل العادل

featured

قرار أممي هام

featured

"تكفرسوا يا عرب"

featured

وضعت معركة الانتخابات المحلية أوزارها ... فماذا بعد ؟

featured

جعبة كلينتون الدموية

featured

اللحظة السورية، مرّةً ثانية

featured

شكرًا لكُم يا شعب مصر

featured

نحو إستراتجية فلسطينية جديدة لاستعادة مكانة القضية الفلسطينية