ليست القضية الفلسطينية ورقة يسعى الأتراك إلى اللعب بها، أو استغلالها أو توظيفها لـمصلحة تعزيز مواقعهم الإقليمية أو تحسين شكل التعامل معهم من قبل أطراف عربية أو أوروبية أو من قبل الولايات الـمتحدة الأميركية، بل هي حالة مبدئية وقضية مركزية تدخل في صميم اهتماماتهم وتقع في قلب مشاعرهم، فهي بالنسبة للرئيس عبد الله غول تتساوى مع القضية القبرصية، أي أن لها الأولوية بما لا يقل عن الأولوية الـمعطاة لقبرص، وقبرص قضية حساسة وأمنية وقومية لـمجموع الأتراك، ولذلك يقول الرئيس غول: إن فلسطين والقدس تتقاسم الاهتمام بها الأحزاب التركية، فهي تتصارع مع بعضها البعض، سياسياً واقتصادياً ولكنها تتفق على فلسطين، اليسار مع التيار القومي مع الليبراليين مع الأصوليين يتفقون على خدمة الشعب الفلسطيني وإسناده والتعاطف معه، بينما يقول رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان: إن فلسطين قضيتنا، ولـم تسقط في أي يوم من الأيام من جدول أعمالنا، ويؤكد بحزم أنها لن تسقط، ويدلل على مدى أهميتها بقوله قضية فلسطين شرق أوسطية وقضية الشرق الأوسط هي قضية الدنيا رقم واحد، ولا يوجد قضية تحظى بهذا الاهتمام بقدر ما هي القضية الفلسطينية، ولذلك لا تستطيع إسرائيل أن تلعب بها وحدها أو أن تخفيها أو تنهيها دون تلبية مصالح الشعب الفلسطيني والحفاظ على مقدساته، فهي ليست ملكاً للفلسطينيين وحدهم بل تدخل في عقيدة كل الـمسلـمين على امتداد وجودهم.
يحزن الأتراك للحالة الفلسطينية ويؤكدون أنهم لا ينحازون لهذا الطرف أو ذاك ويطالبون بإلحاح بل برجاء إنهاء الانقسام والتراجع عن الانقلاب والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، ويوجهون حديثهم نحو الفلسطينيين بقولهم: أنتم طرف ضعيف وإسرائيل أقوى منكم، فكيف يكون وضعكم حينما تنقسمون؟ إن الانقسام الفلسطيني مصلحة إسرائيلية بامتياز، فلـماذا تخدمون عدوكم، بل تتبرعون لخدمته؟ ولـماذا تفعلون ذلك وما هي مصلحتكم في هذا الانقسام ولـمصلحة من تعملون ذلك؟؟
لقد تطور الـموقف التركي من موقع الانحياز الأعمى لإسرائيل إلى موقف التوازن بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وليس لدى أصحاب القرار التركي رغبة في تجاوز الـموقف الـمتوازن لصالح الانحياز نحو فلسطين، بل يرون أن موقفهم الـمتوازن هو الذي يخدم الشعب الفلسطيني وقضيته، وهو الذي يساعد الفلسطينيين ويردع الإسرائيليين عن مواصلة عدوانيتهم الـمفرطة، ويدفع بهم للاستماع لصوت العقل واحترام مصالح الفلسطينيين على أساس الشراكة والتعايش وحسن الجوار.
تركيا بلد كبير ومهم وسياستها معتدلة ومتزنة، وهي رافعة حقيقية للشعب الفلسطيني، يجب إعطاؤها الاولوية فلسطينيا في مرتبة مصر والاردن والسعودية، وبعد غياب العراق وتدميره وانكسار ميزان القوة بشكل فاقع لـمصلحة اسرائيل تحتاج منظمة التحرير لطرف قوي مثل تركيا تتكأ عليه وتعتمد على قدراته وإمكانياته وعلاقاته حتى تواجه التحديات ولا تضعف أمامها.
تركيا لا تسعى لأن تكون بديلاً لأحد، أو أن تخطف الدور من أحد، بل تسعى لأن تكون مساهماً وشريكاً داعماً للعرب والفلسطينيين، ولذلك اوفدت انقرة وزير خارجيتها احمد داود اوغلو إلى القاهرة كي يتفاهم مع الـمصريين وكي يكون قريباً من اجتماع وزراء خارجية بلدان لجنة الـمتابعة العربية كشريك مراقب، ولـما أقر الـمجتمعون مبدأ التفاوض غير الـمباشر مع الإسرائيليين، دعم اوغلو القرار العربي ولكن رئيس الوزراء أردوغان قال للوفد الصحافي الفلسطيني الزائر، أول من أمس: الـمشكلة ليست بالـمفاوضات، والجلوس على طاولة الـمفاوضات لا يعني الخسارة او التنازل عن الحقوق، فالـمعيار هو الثبات والأهلية والقدرة على التفاوض لإحقاق الحقوق واستعادتها وهو الـمطلوب، وتركيا ستستمر في دعم الجانب الفلسطيني وإسناده لتقويته حتى يستعيد الشعب الفلسطيني حقوقه بالوسائل الـمشروعة والـمتاحة.
زيارة الوفد الصحافي الفلسطيني لأنقرة، حظيت باهتمام من قبل الدولة التركية، فتم استقباله من قبل رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير الخارجية ومؤسسات صحافية ومجتمع مدني، انعكاساً لحجم ورغبة الأتراك في الاستماع وتوسيع الـمعرفة وتوصيل رسالة إلى الـمجتمع الفلسطيني، ولذلك سيعقب زيارة الوفد زيارات مماثلة ومتبادلة من أصحاب الـمهنة الواحدة بين الطرفين من الفلسطينيين والأتراك، الصحافيون مع الصحافيين، ورؤوساء البلديات مع أمثالهم، والبرلـمانيون مع أعضاء الـمجلس الوطني، والنقابيون مع النقابيين، وهكذا تتسع دائرة العلاقات لتتجاوز العلاقات الرسمية على مستوى القيادة السياسية لتصل إلى مستويات متعددة مهنية وشعبية كي تكون العلاقة مباشرة وجماهيرية وذات طابع مؤسسي دائم ومتواصل، ومفيدة للطرفين وبما يخدم مصالحهم وتطلعاتهم.
انطباعات أعضاء الوفد الإعلامي الفلسطيني الزائر لأنقرة أنهم اكتشفوا أن هناك بلداً مثل تركيا يكن لهم الـمحبة والاحترام والإسناد أكثر بكثير مما كانوا يعتقدون أو يتوقعون، ولذلك أصاب بعضهم الذهول مما سمعوا ورأوا ولـمسوا من دفء العلاقة التركية ورغبة من طرفهم للحفاظ على هذه العلاقة وتطويرها وفتح طريق واسع من اتجاهين لتعزيزها وجعلها مميزة عن حق للطرفين ومن قبلهما على السواء.
