دخلها حمارا وخرج منها انسانا

single

غربت الشمس وغاصت في بحرها الازلي السرمدي وتسرب الظلام شيئا فشيئا وحالة من السكون والهدوء طغت على القرية. رُفع آذان المغرب، وانقضت الصلاة، وقد حان وقت تناول وجبة العشاء أقدمت الأم وهي تحمل بين يديها طبقا من القش. عليه صينية كبيرة عامرة بالمجدرة، وحولها ارتمت طريحة شرائح البصل جريحة دامعة، وبعض أكواز الفجل ارتدت ثوبها الأحمر تنتظر تنفيذ حكم الاعدام من العائلة. تحلقت العائلة حول الطبق، وتساءل الأبناء أين الخبز، لم تجب الأم ثم عادوا الى التساؤل ولما لم تجب. ارتفعت الأصوات تطالب بالخبز وكأنهم في مظاهرة صاخبة من مظاهرات الاحتجاج التي سمعوا عنها تطالب بكأس حليب ورغيف الخبز، فردت عليهم بجواب غير مقنع، كنت مريضة يا أولاد، ولم أستطع العجين ولا الخبز، وبلهجة ونغمة الآمر قالت: كلوا على السكت. انصاعوا للأمر، وراحت الأيادي تنبش بطن الصينية لتخرج ما بأحشائها كتلا كتلا يتقاذفونها الى الأفواه بنهم وشهية، يتناولون الفجل ويهرسونه باسنانهم الحادة ويقضمون البصل بشهية ورغبة جامحة.
خرج الأبناء الذكور الى الشارع وانضموا الى أترابهم وأصدقائهم ليلهوا ويمارسوا معا لعباتهم المحببة والمتداولة لقضاء ما تبقى لهم من الليل، لعبة الغميضة، خيل يا ربع، دبديب النمل والطاق طاقية. أما البنات فجلسن حبيسات البيت مع الأم المهمومة ينتظرن قدوم الجارة أم صالح الغنية بالحكايا المسلية مثل، الشاطر حسن والشاطر محمد وحكايا تقوم بتأليفها وهي امرأة ماهرة ومبدعة، ينبوع يتدفق بالحكايا لا يجف ولا ينضب.
خرج الزوج خليل وهو يرزح تحت عبء الهم والغم ليلتقي صديقه الحميم سليمان، صديق الطفولة. ربطتهم صداقة وطيدة وروابط عائلية قوية، ووفاء جيرة متينة بحملان نفس الأطباع، انسجام كامل في السلوك والتواضع متماهيان بالفكر والمقالب، بشوشان، ضحوكان، فكاهيان، انيسا المجلس، رفيقا المعشر، دمثا الخلق وحسنا السيرة. رفيقان في السراء والضراء، وكأنهما توأمان. وفي غبش الليل التقيا وراح خليل وهو في حالة من الهم والاكتئاب والحيرة، يبوح لصديقه سليمان داهية الدواهي حرج زوجته أمام الأولاد من نفاد الطحين من البيت وفقدان الخبز عند تناول وجبة العشاء. وببراعة متناهية وبعفوية ضاربة قال له: يا زلمه بسيطه، انت محملها كيلين وعلبه، تفرج والصباح رباح، رزق بكره لبكره، ما سمعه من سليمان لم يفرج به كربه ولم يخفف من همه، ثم وضع سليمان يده في زنار خليل، شده وقال له الحقني، وكانت قد دهمته فكرة وهو سريع البديهة.
سارا وولجا ديوان الشيخ القاسي وشديد البأس، وكان الديوان قد غص بالرجال، والدخان المتصاعد من السجائر قد غطى سماء الديوان بسحابة رمادية خانقة. انفرجت أسارير النزلاء بدخول الثنائي المرح، وأخذ الترحيب يعلو ويتدفق من كل حدب وزاوية في الديوان، تناسى خليل همه أمام موجات الترحيب وأرخى العنان لنكاته التي تأتيه على السليقة ففاض ينبوع طرفاته واتبعها سليمان بصواريخه النفاذه وبطلقاته المرحة.
تزاحمت نكات الاثنين فانفجر الحضور بالضحك وأفرطوا فغرقوا في بحر من البهجة والسرور وسالت الدموع من عيون البعض، تأوهوا وتمايلوا وانقلبوا على ظهورهم.
انتصف الليل ودمس، انفض الديوان وغادرا مع الرجال، أمسك سليمان بيد خليل وقال له اتبعني، فسار معه مكرها أخوك لا بطل. عرج سليمان على البيت تناول قصاصات من القماش وقليلا من خيوط المصيص ثم انطلقا حتى وصلا مشارف مزرعة الشيخ وفيها مما هب ودب وبوفرة من البصل والثوم والكوسا والبندورة ومساحة واسعة جدا من البطاطا، عندها أبلغه بالخطة، سيدخلان المزرعة ويغزوانها ويأخذان عوزهما من البطاطا ما يكفيهم مونة أسبوع انتفض خليل عند سماعه الخطة وقال : يا ويلك من الله واذا انكشفنا فضيحة ورايح يقشر جلدنا ويحرمنا من الربعة ونموت من الجوع، ويروح علينا تعب حراث سنة على الفاضي. طمأنه صديقه سليمان وانتزع الخوف منه وقال له، ما عليك أنا أبو الهمايم وأخذ يشرح له الخطة وطريقة تنفيذها.
ندخل المزرعة أنا بمشي على أربعة على يدي ورجلي وانت تركب على ظهري، واذا شك في أمرنا الشيخ نقسم له الأيمان. انا أقسم وأقول ما مددت يدي على بيت بطاطا وما قلعته، وانت تحلف وتقسم أن رجليك ما داسوا أرض المزرعة بتاتا.
لم يعد لخليل من بد أو مناص فوافق. خلع سليمان حذاءه ولف رجليه بقطع القماش وربطها بالخيطان وطلب من خليل أن يلف له يديه بالقماش ويربطهما بالخيطان. ربط خليل طرفي قمبازه على كتفه وصار له شقبان يتسع لكميات من البطاطا. انتهت العملية بسلام.
انتشر خبر سرقة مزرعة الشيخ في ضحى اليوم التالي كالنار في الهشيم، واعتبره السكان سابقة خطيرة وغير مسبوقة وفيها مس لهيبة الشيخ الزعيم وهدر لكرامته، فاندفعت العيون واندفع المنافقون يتحرون ويبحثون عن الجناة، ومنهم من سار وأحضر قصاص الأثر.
دخل القصاص وأخذ ينظر بعينيه الثاقبتين يقتفي أثر الدوس، صال في المزرعة وجال وزاغت عيناه، وظل يتابع الأثر حتى عاد الى مشارف المزرعة حيث البداية فاختفى الأثر. وقف مشدوها مما رآه، أطرق قليلا فقال للشيخ عندما استعصى عليه فك اللغز، يظهر أن الجاني دخل المزرعة حمارا وخرج منها انسانا. استهجن الشيخ ما قاله القصاص واستغرب، فراحت الظنون تتزاحم في فكره وتتدافع في ذهنه وتدور لتدخل محيط الثنائي المرح (خليل وسليمان)، في المساء دخلا الديوان وكأن شيئا لم يكن، تحصنا بالشجاعة وتسلحا بالتحدي وكالعادة أخذا باطلاق صواريخ الطرف وأفاضوا الديوان بالنكت والملح وعيون الشيخ تبرق وتشع كأنها شهب يتفرس بوجهيهما وعيونهما، وهما غير آبهين لنظراته وتفرسه.
انتصف الليل وانفض الديوان وهمّا بالخروج مع الآخرين، فاستوقفهما الشيخ وعلامات الغضب تفيض من عينيه واجم الوجه قاطب الجبين، فوجه لهما تهمة السطو على المزرعة. كان رد فعلهما قويا أنكرا التهمة وتصنعا الغضب، ثارا، هاجا وانتفضا احتجاجا على التهمة، فقال الشيخ عليكم باليمين ان كنتم صادقين، لم يترددا فأقسما اليمين الذي اتفقا عليه فهز رأسه استعاذ وحوقل وقال ان بعض الظن اثم، أدخلهما المخزن ومنحهما كيسا مليئا بالقمح تكفيرا عن اثم الظن، فخرجا سالمين، فالحين وغانمين.
عجبت لمن لا يجد القوت في بيته، كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه!



(أبو ذر الغفاري)

قد يهمّكم أيضا..
featured

جدي.. رحل أحمد بن بيلا آخر رجالك الثائرين!

featured

بلد عم تتوحّم !

featured

في وداع الرفيق محمود حسين عابد (أبو الصّافي)

featured

سنة على العدوان المجرم

featured

أخماج السالمونيلات SALMONELLOSIS

featured

سميح القاسم: الصوت الصادق المكافح والمقاوم

featured

"القتل الاقتصادي" أسلوب ابتدعته الرأسمالية الأمريكية للسيطرة على اقتصادات الدول النامية

featured

ألاعيب أبالسة وشياطين