التحايل على أبو مازن ومحاولة الهروب

single

يوم الخميس الثالث عشر من تشرين الثاني الجاري استمعت إلى مؤ تمر صحفي عقد في عمّان بين ناصر جودة وزير الخارجية الأردني وجون كيري وزير الخارجية الأمريكي، على أثر الوشوشات التي بانت تدور في المملكة الأردنية بخصوص الوضع في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، وعلى وجه الخصوص القضية الفلسطينية والأحداث التي دارت الشهور الأخيرة وأبرزها الحرب على غزة وما تبعها وما زال يتبعها من أحداث عنف تجري هنا وهناك في مناطق السلطة الفلسطينية،  وأهمها الأحداث  التي تدور دفاعا عن الأقصى وضد الظلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني يوميا سواء على يد قوات الاحتلال  أو قطعان المستوطنين. وكان أن عقدت قبل المؤتمر محادثات ثنائية بين كيري والملك عبدالله تلاه اجتماع ثلاثي أستدعي إليه نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية.
والسؤال الذي يطرح هو: لماذا كل هذا الاهتمام بما يجري على الساحة، انه ليس سؤالا واحدًا بل هنالك أسئلة عديدة أبرزها مثلا، لماذا أمريكا ممثلة بوزير خارجيتها تهب لتتدخل لإحياء المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل في هذه الأيام بالذات؟ تم لماذا يستدعى نتنياهو ويلبي الدعوة ولا يتأخر.


*بيت القصيد، التهديد*


إن بيت القصيد هنا وبصورة قاطعة لا تقبل الجدل هو تهديد السلطة الفلسطينية ممثلة برئيسها محمود عباس بأنها ستتوجه إلى مجلس الأمن بطلب للاعتراف بها كدولة كاملة العضوية، وهي ما زالت ترزح وتعيش تحت الاحتلال وهذا مخالف للأعراف الدولية، وعندها على هذه الهيئة والمجتمع الدولي أن يتصرف. وعلى ما يبدو فان إسرائيل وأمريكا وعلى ضوء تصرف بعض الدول الأوروبية التي بعضها أعلن أنه سيعترف  بالسلطة أنها دولة فلسطين، وبينها من هم من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن مثالا على ذلك فرنسا، فعلى ما يبدو أن أمريكا وحبيبتها إسرائيل باتتا على يقين من أن السلطة ستحصل على الأصوات اللازمة وهي تسعة أصوات في مجلس الأمن وفي هذه الحالة تصبح دولة فلسطين المحتلة لها كل الحقوق لها   ما للدول  الأخرى تقاضي إسرائيل. ولمنع ذلك وإيقافه وفي هذه الحالة فان أمريكا ستكون مضطرة لاستعمال الفيتو حقها لإسقاط هذا القرار وإفشاله دفاعا وحماية لإسرائيل،  كما كان الحال في العديد من قرارات سلفت في مواقف عديدة وعندها تسقط ورقة توت أخرى تستر عورتها ومن  يدري، ونظرا  للتدهور الحاصل في المنطقة والتي هي في غليان تحرري وصل الناس فيه إلى درجة الموت والى حياة الذل، أضف إلى ذلك تلك الفوضى العارمة التي تسود المنطقة تحت ستار الدين   فقد تكون الورقة الأخيرة لدى أمريكا.
ان فقاعات الغليان الأولى  أراها قد بدأت تظهر والمنطقة مقبلة على وضع صعب، هكذا أراها، وأمريكا لا يهمها إلا مصلحة إسرائيل وفي نفس الوقت تتعرى أمريكا فتسقط في نظر الناس ويسقط معها الحكام العرب المتعلقون بأذيالها أمام العالم وبأعين شعوبهم، وغضب الشعوب لا يرحم،  لذا نراها تسارع إلى لملمة الموضوع فعمدت إلى  إحياء مسار المفاوضات وأنا سميتها العبثية وها هي تلجأ إلى حليف لها هو جلالة الملك عبدالله ليتحدث إلى رئيس السلطة الفلسطينية وكل ذلك في محاولة لثني السيد محمود عباس عن مشروعه بالذهاب إلى مجلس الأمن وطلب الاعتراف بدولة فلسطين.
 إن عودة أمريكا وتوجهها إلى موضوع احياء المفاوضات لهو اعتراف ضمني منها أن قضية الشعب الفلسطيني وهضم حقوقه هي لب المشكلة والصراع، والتي بدون حلها حلا مرضيا لن يكون هناك سلام وهدوء بل خراب.ان أمريكا ما كان في يوم ما أن تخلت فيه عن مساعدة إسرائيل والوقوف إلى جانبها لكن هل إسرائيل وعلى رأسها قادتها  يقدرون هذا الجميل طبعًا كلّا. انهم ينظرون إلى العالم من فوق فهم شعب الله الخاص وما على باقي الشعوب الا أن تخدمهم، وكعادته نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية عاد من عمان وبعد لم تكد تطأ قدماه الأرض فها هو يتناول قانون يهودية الدولة لا بل أكثر من ذلك، ففي هذه المرة هو  الذي سيطرحه بنفسه وليس أحد غيره على الكنيست. هذا جوابه للذين تركهم مجتمعين من أجله في عمان  وهذا القانون يعني أنه حتى للبقية الباقية من الشعب الفلسطيني في إسرائيل ليس لها مكان ولا يريدها ضمن دولة إسرائيل.
ليس غريبا على نتنياهو مثل هذه التصرفات فجميعنا يذكر أنه بينما يكون مجتمعا مع أوباما في البيت الأبيض ومدار بحثهما النزاع الإسرائيلي الفلسطيني وإمكانية تسويته، فما يكاد أن ينتهي الاجتماع وهو ما زال هناك حتى يعلن  عن المصادقة على مشروع بناء كذا وحدات سكنية وفي القدس التي كانوا يتحدثون عنها قبل قليل. كذلك ما زلنا نذكر قصته مع جون بايدن نائب الرئيس أوباما  عند زيارته الأخيرة لإسرائيل فبينما هم على مائدة العشاء وما كاد بايدن ينهي حتى أعلن عن أطلاق سراح مشروع استيطاني جديد. انها ليست بطولة من نتنياهو. أما عن هكذا تصرف وعلى الصعيدين الخارجي والداخلي فله مركباته في شخصية نتنياهو فعلى الصعيد الخارجي  فهو أولا ينطلق كما ذكرنا من منطلق الفوقية والتعالي تطبيقا لمقولة أن على جميع شعوب الأرض أن تأتي وتسجد لإسرائيل مقولات عنصرية، وثانيا  تمكنه من قوة نفوذه وخاصة في أمريكا فهو يقدر بحسب رأيي أن يصول ويجول وقادر على تمرير ما يريد. فزمام الأمور في أمريكا بيد جماعته قلنا أنت الرئيس أنت الرئيس  نرفعك  ننزلك كما نريد ومتى نريد، أما عامة  الشعب الأمريكي فالذي يهمها أن تشتغل تأكل وتشرب وتسدد- المشكنتا- الدين وتنتظر عطلة نهاية الأسبوع وكما يقولون بالأمثال معظمهم نايم ولا يدري بنقش العرائس الذي يدور..


*شخصية الاكثر تطرفًا*


أما على الصعيد الداخلي فهكذا تصرف يكون بمثابة عرض عضلات أمام شعبه في الدرجة الأولى وهذا يهمه جدا على  أنه البطل الذي لا يجاريه أحد في الاخلاص والوطنية، أضف إلى ذلك  أيضا أنه لا ولن يسمح لأحد حتى لو كان من داخل حزبه بان يظهر أكثر تطرفا منه فهو الذي يقول هو الذي ينفذ، وباختصار شديد هو كل شيء يعني أنا ربكم الأعلى. لقد ظهر عليه الارتباك الشديد بعد فشله في العدوان على غزة فقد حاولت بعض الأصوات أن تعلو فوق صوته لذا رأيناه  يكيل التصريحات والتهديدات يمنة ويسرة ولم تقف عند حد الكلام بل تعدته إلى التنفيذ فبدأ بسن القوانين العنصرية مثل يهودية الدولة ثم أتى في محاولة لأبطال كون اللغة العربية لغة رسمية في الدولة هذا بدل أن يعمل على أن يكون تعلمها إلزاميا خاصة لأبناء شعبه الذين يعيشون و حولهم بحر من الناطقين بالعربية واللغة هي وسيلة التفاهم. وآخر ما توصلت إليه عبقرية نتنياهو هو سحب المواطنة ممن هو بحسب تفكيرهم  يخلون بالأمن وأين يوجد ذلك الذي لا يخل بالأمن هل هو موجود على حد رأيهم. ان هذا حتما سيطال المواطنين العرب داخل دولة إسرائيل فهذه وسيلة مريحة للبدء بالتخلص من هذا العبء الذي اسمه عرب وينتهي مفعول هذا القانون عندما يبقى ولا عربي في إسرائيل ليضرب عصفورين بحجر واحد وهو المطلوب. ان نتنياهو لا يريد التفاهم  ولا السلام  يؤمن فقط بطريق المدفع والبارودة والعنترية التي حتما ستودي إلى التهلكة.
إن من كل ما تقدم يظهر بأن تصرفات نتنياهو ليست تصرفات شخص يريد السلام مع خصمه بل يريد منه الاستسلام وربما يكون هذا هو السبب. لماذا يصب جام غضبه على الرئيس محمود عباس ويتهمه بالتحريض بعكس ما يقوله رئيس مخابراته الحالي كوهين والسابق ديسكن؟  هل لأنه لا يوافق على أملاءاته ولا يوقع له على بياض، فإلى الرئيس عباس اقول: أنك لست بحاجة لإرشادي ولكن لي رأي لا شك بأنه ومن  خلال مرحلة التفاوض المستمرة قد تكونت لديك الفكرة من المعلومات الوافية عن من هو نتنياهو. فباختصار انه لا يريد السلام وفي قرارة نفسه حتى ولا فلسطين كلها تكفيه، انه يتطلع إلى دولة تحكم المنطقة كلها، يعني إسرائيل الكبرى.  ورأيي هو  الاستمرار  بالمفاوضات بالرغم من أنه لا طائل منها على أن لا يلغي هذا مطلبنا الذي هو عدم الخوف أو حتى الاستماع والإذعان لأي طلب سواء أكان بالترغيب أم التهديد الذي من شأنه العدول عن هذه الخطوة المباركة، وهي طلب الاعتراف بدولة فلسطين مهما كانت الظروف والنتائج، ونحن بدورنا نتمنى لها التوفيق والسلام.          


قد يهمّكم أيضا..
featured

موسكو تقاضي أوروبا

featured

انتهازية المقعد الوزاري

featured

شمروا عن سواعدكم

featured

جمعتَ بين الرقة والعذوبة وبين العزم والتحدي(*)

featured

عادوا لضلالهم..

featured

انجازات الجبهة: انعكاس لحجم التعبئة والالتفاف الجماهيري

featured

انتقال السلطة في قطر .. مقدمات ونتائج

featured

إنها بداية النهاية.. فحذار!