أستاذي العزيز أبو فراس، مديري ومعلمي في المدرسة الابتدائية :
لعلك لا تذكرني حين كنت صغيرا فقد كنت واحدًا من آلاف طلابك. لم أكن مشاغبًا لتذكر مشاكلي ولم أكن نابغةً لتفخر بي أمام زملائك قادة العلم والأدب في ذلك الوقت، فقد كنت تلميذًا عاديًا، أحببتك جدًا، أحببت أسلوبك، أحببت دروسك وامتحاناتك الفجائية. أجل يا معلمي العزيز أحببت فيك الهمة العظيمة ونظافة القلب واليد واللسان، فقد جمعت بين الرقة والعذوبة والشفافية كالأب الحنون الساهر على راحة أبنائه وبين الصلابة والقوة والعزم والتحدي كالقائد الفذ الذي وضع له هدفا ساميا وصمم أن يناله وهوإيصالنا إلى بر الأمان، الى ساحات العلم المنشودة. أحببت حديثك الهادئ وصوتك الجهوري وطيب كلماتك. أحببت فيك حبك وإعجابك بالشاعر أبو فراس الحمداني، وكم كنتَ فخورا حين ينادونك بأبي فراس.
أما انا فقد رأيت الشخصين واحد ، فأعجبت بأبي فراس الحمداني الشاعر البطل وأعجبت بأبي فراس حنا فارس مخول مديري ومعلمي الذي كان فارسا شامخا من فرسان ورواد التربية والتعليم في ذلك الوقت. فقد كنت معلما ومديرا للمدرسة في فترة كان العلم فيها مستهجنًا وغير مرغوب لكنك آمنت في الرسالة التربوية العظيمة المقدسة وبصبرك وإصرارك وتوجيهك أنرت لنا طريق المعرفة والعلم والتقدم، وكنت منبع العطاء والنهر المتدفق حبًا وإخلاصًا لعملك. فكنت مفكرًا مميزًا ومبدعًا قديرًا على مدى حقبة مهمة من حياتك الزاخرة بالعطاء والتألق والإيمان العميق وخدمة طلابك أبناء قريتك الحبيبة البقيعة بدون مواربة ولا كلل. فيا لسعادتي وشرف كبير لي أنني كنت واحدًا من طلابك وتلاميذك، علمتنا الأخلاق والقيم الفاضلة وغرست فينا حب العلم والمعرفة، ونميت في أعماقنا قيم المحبة والخير والانتماء والحياة المشتركة والجيرة الحسنة.
وبعد تخرجتا نحن تلاميذك وطلابك، أنا والعديد من زملائي ، كم كنا نفرح لرؤيتك وتغمرنا السعادة حين نكلمك. وكم كنا نرى ظواهر الفرح والسرور والغبطة على محياك حين ترى أحدا منا فتحدثنا بهدوئك المعهود وطيب كلماتك وبسمتك الدمثة المضيئة السعيدة.
أستاذنا الفاضل أبو فراس، يا عاشقًا لتلاميذه وطلابه، يا عاشقًا لبلده ولغته، يا عاشقًا لتاريخه وتراثه، ها نحن نودعك اليوم ويعز علينا فراقك في وقت نحتاج فيه إلى أمثالك من الرجال الأوفياء الصادقين. نودعك اليوم فتنحني هاماتنا وكبرياؤنا احتراما وتقديرًا لمقامك الرفيع. نودعك بعد مسيرة عطاء عريضة ومشوار حياة زاخر بالعمل التربوي والعلمي والاجتماعي ، تاركًا سيرةً عطرةً وذكرى طيبة وميراثا من القيم والمثل النبيلة مرصعاً بجمال زيتونة سوريّة ومعطراً بشذا رمانة مليسيّة من ارض البقيعة الحبيبة. نعم ستظل نورًا يشع في سماء الأجيال القادمة من طلابك وأبنائك وزملائك وأصدقائك وأحبائك بصدق ووفاء وأمانة.
لقد رحل أستاذنا الغالي أبو فراس لكن ذكراه وتعاليمه وإرشاداته ستبقى أبد الدهر، وإن الذي بنى بيتًا صالحًا لا يستطيع أحد أن يهدمه فله الخلود في جنان الرحمة والغفران.
نم قرير العين يا أبا فراس لأنك خالد فيما عملت وقدمت وضحيت، لأنك بنيت وشيدت بيتا صالحا من العطاء والتضحية وخلفت خلفا صالحا من بنين وبنات ابرار يسيرون في طريقك طريق الحق والعلم والمعرفة. نم ايها المعلم الوقور مرتاح الضمير فقد اديت الامانة فالرجال الصادقون أمثالك لا يموتون.
إننا نعزي أنفسنا برحيل أستاذنا العزيز أبو فراس ، نعزي أصدقاءنا وإخوتنا أبناء الفقيد وبناته وزوجته وأقرباءه وكل عائلة مخول المحترمين وأهالي البقيعة جميعًا.
تغمد الله فقيدنا الراحل بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
(رئيس مجلس البقيعة المحلي السابق)
