كان لافتا في تظاهرة باريس المليونية، والتي شارك فيها زعماء خمسين بلدا تنديدا بالارهاب الذي ضربها مؤخرا واكتوت بناره، ان بنيامين نتنياهو قد دسّ نفسه في هذه المظاهرة ولم يكن بين المدعوين، لكنه ألحّ على الرئيس الفرنسي بأنه قادم بدون دعوة رسمية. وللتصغير من قيمة ومشاركة نتنياهو قام الرئيس الفرنسي بدعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس. والرسالة واضحة هنا، فهناك فرق كبير بين من جاء متطفِّلا ومن جاء مدعوًّا، وهذه انتكاسة دبلوماسية كبيرة لمن راح يبحث عن "عظمة" يتسلى بها في هذا المحفل الدولي الكبير.
فالسيد نتنياهو اراد ان يحرّض على الآخرين لابسا مسوح الرهبان، منددا هو الآخر بالارهاب ومرتكبيه. وهو نفسه الذي قام وزير من حكومته قبل عدة اشهر بزيارة جرحى جبهة النصرة وغيرهم من الارهابيين التكفيريين، الذين تعالجهم المستشفيات الاسرائيلية. وهو الحليف الوثيق لهم، والداعم بكل قوة لمواصلة الارهاب والقتل وسفك الدماء في سوريا لاضعافها وتفتيت بنية الدولة فيها. ولا يهمه ان يتحالف مع عناصر مدْرجة على لائحة الارهاب الدولي، مثل جبهة النصرة، فالغاية عنده تبرر الواسطة. فهل لهذا الشخص وامثاله مكان في تلك المظاهرة في باريس، ام انها لعبة قذرة اراد ان يلعبها للوصول مرة اخرى لسدة الحكم في اسرائيل؟!
والانكى من ذلك انه، وبشكل فظ وغير مؤدب، راح يتدخل في الشأن الفرنسي الداخلي حين حرّض يهود فرنسا ودعاهم للهجرة الى اسرائيل، مع انهم مواطنون فرنسيون. وحين يسخّر اليهود، مواطني الدول التي يعيشون فيها، ويتمتعون بكل حقوق المواطنة، فكأنه يدعوهم لخيانة بلادهم وان يكون ولاؤهم الاول والأخير لإسرائيل. وهذا استغلال قذر لهؤلاء الذين لا يدعهم يعيشون كما يريدون، وهم الذين اختاروا فرنسا كي تكون وطنهم. على كل حال، فالرجل حينما يتطفل، وبهذا الشكل، فانه مؤهل ان يفعل ما يشاء. والغريب ان يشارك في هذه المظاهرة "زعماء" ليسوا اقل من نتنياهو صفاقة في التحالف مع الارهاب والارهابيين. فالزعيم العثماني السلجوقي اردوغان كان له ممثل هناك، وهو الذي شرّع ابواب بلاده لتكون ممرا لإرهابيي الجهات الاربع، ودخول كل من سوريا والعراق. وهذا الاردوغان هو الذي يشتري نفط الجماعات الارهابية المسروق من حقول سوريا والعراق. وهو الذي ادخل الى بلاده المصانع السورية، التي فككها الارهابيون في حلب. وكان حاضرا في المظاهرة السيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني، الذي كانت بلاده قد وقفت، ومنذ اربع سنوات، مع الجماعات المسلحة التكفيرية الارهابية، التي عاثت خرابا ودمارا فوق الارض السورية، وبلاده مع باقي الحلفاء الغربيين هي التي زودتهم بالسلاح والمال، وغضّت الطرْف عن التحاق "الجهاديين" الاوروبيين، حتى وصل الامر لقيام داعش واخواتها. وهم الذين يكتوون اليوم بنار هؤلاء في باريس، ويتحسبون لهجمات مماثلة في اكثر من عاصمة اوروبية.
حقًّا لقد تمرد المسخ على خالقه، وهذا كان متوقعا منذ البداية، لكن مؤامرتهم على سوريا، وعملهم من اجل بث الفوضى "الخلّاقة" في العالم العربي أعماهم عن تبعات هذا العمل الاجرامي، وتداعياته المستقبلية. فالنار، التي اشعلوها في المنطقة، اصبحوا بعض ضحاياها، وكرة النار الملتهبة تمتد وتمتد حتى تطال من ظنوا انهم محصّنون منها. فالسعودية مثلا اخذت تكتوي بهذه النار، التي ساعدت على اتقادها، حتى وصلت حدودها مع مطلع العام الجديد، وسقط الضحايا من حرس الحدود السعودي. لم يعد الارهاب لعبة كما ارادوها لسوريا والعراق وليبيا واليمن ومصر، وانما اصبحت الامور خطرا يتهدد المجتمعات كلها ولا نجاة لاحد من هذا الغول، الذي فغر فاه بقوة، واصبح مشكلة عالمية تعقد، لأجل التغلب عليها، المؤتمرات الدولية.
واذا دخلنا في بعض تفاصيل عملية باريس، والهجوم الذي استهدف الصحيفة الاسبوعية الفرنسية "شارلي ايبدو" والمجمَّع التجاري اليهودي "كاشير" وهي عملية على جانب كبير من الحرفية والدقة، فلا اظن ان المنفذين هم المخططون الحقيقيون لهذه العملية وانما كانوا ادوات. فالذي خطط كان برأيي جهة استخبارية، وكانت على علم مسبق بموعد اجتماع ادارة الصحيفة الفرنسية، وكان استهداف المجمّع اليهودي له اهداف بعيدة عن تفكير الذين احتجزوا الرهائن فيه، وقتلوا اربعة منهم، اضافة الى شرطي فرنسي مسلم. فالرسومات المسيئة للرسول الاعظم حدثت قبل سنوات، وهذه الصحيفة تسخر من الاديان كلها، ومن سياسيين ايضا. ومع القرف والاستنكار لمثل هذا النوع من الإعلام الساقط، و"حرية التعبير" التي تثير التقزز والاشمئزاز، فان هذا لا يعطي احدا الحق في القتل العشوائي الذي نستنكره بكل قوة، لان الابرياء هم ضحاياه.
وهناك سؤال مهم: لماذا جاء كل هذا في توقيت يثير الشبهات؟! فالذي لحظناه في الفترة الاخيرة ان فرنسا كانت من اكثر الدول الاوروبية دعما لفلسطين والاعتراف بها. وهي التي صوّتت في مجلس الامن، بخلاف امريكا وبريطانيا، على مشروع القرار المطالب بإنهاء الاحتلال. وحين تكون فرنسا في موقف سياسي متقدم من قضية فلسطين فلماذا يتنطح هؤلاء لاستهداف شعبها؟! أليس في هذا ما يبعث على الريبة والشك، من اجل الوصول الى الايدي الخفية التي دبرت هذا الاذى، الذي لحق بفرنسا؟! ومع كل ذلك، فان الفرنسيين مطالبون ان يكشفوا حقيقة ما جرى فوق ارضهم، فالارهابيون، الذين نفذوا عملية باريس، كانوا معروفين للمخابرات الفرنسية. احدهم قاتل في اليمن مع القاعدة ضد الحوثيين، والباقون شاركوا في القتال في سوريا. ومن خلال متابعة فيديو الاعتداء في باريس، نلاحظ ان منفذي العملية كانوا محترفين جدا، وربما من نخبة المقاتلين وليسوا مجرد رجال مدربين. انهم، وكما لاحظنا، مقاتلون من الطراز الاول، وقد اكتسبوا الخبرة القتالية التي أهّلتهم ليقوموا بما قاموا به. لقد ارادوهم ان يكونوا كذلك في سوريا، ولكن، وعند عودتهم الى بلدانهم التي انطلقوا منها، فان هذه البلدان ستكون هدفهم القادم. ولانهم في اوروبا وامريكا ادركوا الآن، وبعد فوات الاوان خطر، هؤلاء لهذا نراهم يتحسبون ويستعدون لمواجهتهم، ولاجل هذا يعقدون المؤتمرات. اما الدول، التي اكتوت بنارهم في الاساس، فانها هي الاقدر والاجدر بمواجهتهم وهزيمتهم على ارضها. اما هؤلاء المتخوفون الآن، فأولى بهم ان يضغطوا على صنائعهم في تل ابيب وانقرة والخليج، حتى يفكوا شراكتهم معهم. وهو اقصى ما نريد منهم، حتى يسلم العالم من شرهم...!!