هل نحمّل نساء الرؤساء أكثر مما عليهن حمله؟ أم هو توقع النسويات والمناصرين لحقوق المرأة أن يكون لهؤلاء النساء دور أيضًا؟ دور يؤثر على رجالهن من أجل عالم أفضل، لا يموت فيه الإنسان جوعًا أو يُقتل الأطفال في حروب لا يفقهون غاياتها.
ما أثارني هذا الأسبوع هو خبر نُشر على هامش زيارة نتنياهو الولايات المتحدة للقاء الرئيس الأمريكي براك أوباما، خبرَ لقاء سارة نتنياهو وميشل أوباما، لقاء وُصف بالحميميّ والوديّ، تحدثت فيه كلٌ عن أبنائها وبناتها. وقد لفت انتباهي تشديد الإعلام الإسرائيلي على "المعرفة العميقة التي أبدتها ميشل أوباما" بأن ابن نتنياهو فاز بمسابقة التوراة!
لم يكتف الإعلام الإسرائيلي بهذا القدر من التلوين والتلحيس إنما جاء أيضًا في الخبر الذي نشرته صحيفة "هآرتس"، مثلا، توصيف لتفاصيل جانبية جدًا تؤكد سخافة فكرة النشر عن اللقاء، فمثلاً لم يكن من المهم أن تكتب تلك الصحيفة أنه "في منتصف المحادثة بين السيدتين دخل الكلب الرئاسي "بو"، وتكلمت عنه كلتا السيدتان وداعبتاه" – هاي مش مسخرة؟ ليس لتربية "دار أوباما" لكلب، فأنا من المحبين المتطرفين للكلاب، لكن هل حقًا خبر مداعبة سارة للكلب الرئاسي الأمريكي يستحق الذكر في خبر صحفي؟
من جهة أخرى، عمّ بالضبط ستتكلم سارة وميشل؟ عن ملايين المشرّدين في الولايات المتحدة وتل أبيب؟ أم عن أطفال غزة؟ عن أطفال العراق وأفغانستان؟ عن "خيبة أمل" براك أوباما من إمكانيات التغيير التي وعد العالم بأنها قائمة؟ أم عن وقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية والمسرحية الدولية التي تمثلها الولايات المتحدة وتخرجها إسرائيل؟
لا يخفى على أحد منّا أن الماكنة الإعلامية الإسرائيلية المُوحّدة على اختلاف القنوات الرسمية والتجارية، وعلى اختلاف الصحفيين/ات والمحرّرين/ات والمعدّين/ات والعناوين. فهي ماكنة تتلقى غذاءها من مصدر واحد وتصبو لنفس الهدف: تعبئة المجتمع اليهودي الإسرائيلي، إرهابه، وتجنيده من أجل الحفاظ على المشروع الصهيوني الاستعماري.
أما فيما يتعلق بالتغطية الصحفية للعلاقات مع الولايات المتحدة، فيمتهن الإعلام الإسرائيلي امتصاص الرضا الأمريكي عن إسرائيل من كل كلمة أو لقاء أو موقف أو خطوة، كمراهق ذي مشاكل سلوكية نابعة من وجود خلل بنيوي في تحديد مكانته - تبتز إسرائيل المصادقة والتصديق على جرائمها وأخطائها المتكررة لطمأنة الشعب اليهودي محليًا– ما زال لدينا صديق قويّ ونحن لسنا بمخطئين بالرغم من أن كل العالم ضدنا!
وما يؤكد ذلك، أيضًا، هو حاجة إسرائيل لإظهار العلاقة الوطيدة والطردية ما بينها وبين الولايات المتحدة ليس فقط على مستوى مصالح الدول إنما أيضًا على صعيد العلاقات الشخصية بين زوجات الرؤساء والتقارب والمحبة والمشاركة والحميمية والوديّة - كأنهم زوجي أصدقاء خرجوا ليتناولوا وجبة عشاء تلقائية يتبادلون خلالها النكات والودّ ويتشاركون همّ تربية الأطفال وفعاليات أوقات الفراغ!
مع أن النظام الرئاسي يطلب من زوجة رئيس الحكومة أو الدولة التخلي عن حياتها المهنية والشخصية ليضعها في قالب "زوجة الرئيس"، ألا أن هيلاري كلينتون مثلا، وبالرغم من معارضتي لسياسة الولايات المتحدة، لم تكتف أو ترض بكونها زوجة رئيس أسبق، إنما استمرت بنشاطها السياسي منذ الجامعة وحتى بعد انتهاء فترة ولاية بيل كلينتون إلى أن تنافست على رئاسة البيت الأبيض لتشغل اليوم منصب وزيرة الخارجية الأمريكية.
لا أدّعي هنا أن النساء في مواقع اتخاذ القرار يُصبحن أفضل من الرجال في نوعية تلك القرارات، إنما مجددًا يبقى التوقع لدى النسويات أن تشكل النساء، والرجال أمثال أوباما (أفرو-أمريكي مضطهَد)، نموذجًا مختلفًا للحكم ومضمونًا مختلفًا للسياسة الداخلية والدولية؛ مضمونًا يجلب العدل الاجتماعي ويحاول الحد من الحروب والنزاعات والجوع والفقر، ليس لأنهن نساء فقط، بل لأن هذه هي السياسة الأصح، وهذه هي الموازين التي تضع معايير أخرى للبشرية والعلاقات الإنسانية وحتى السياسية. على النساء أن يكنّ الحاضرات وليس الغائبات عن مستوى الحدث والمقولة والموقف.
مع كلب وبلا كلب، أريحونا من عناء هذه التفاهات!
