3 "انزعاجات"ما بين يومين

single

المناضلة والمحامية الشيوعية الراحلة مها خوري-حزان


(1)


8 آذار، صباح يوم السبت.
"يلا يا مره، قومي خلصي جلي ومسح عشان نطلع نحتفل بيوم المرأة".
ستاتوس لصديق. ضحكت. كم ذلك صحيح، حتى لو يقول الرجل ذلك علنًا، لكنه يعبّر عن واقع يتضارب فيه "الامتنان" للمرأة ودورها المعنوي في حياته واشتراط هذا التقدير في حفاظها على دورها التقليدي. 
مراجعة سريعة للمواقع الإخبارية. تلفت انتباهي التهاني بيوم المرأة، وصلني بعضها مباشرة وأخرى ينشرها وينشرها العديد من الصديقات والأصدقاء عبر الشبكات الاجتماعية. باختصار: غالبية التهاني هي لـ"النساء الأخريات هناك بعيدًا حيث يعانين من الظلم والاضطهاد والاستغلال". ليس البعد الجغرافي ما أزعجني في الخطاب الذي استعمله البعض بل ذاك التضامني. ما شعرته هذا العام تحديدًا وكأننا لا نرى أحيانًا أن التمييز ضد النساء، ضدي أنا وضدّك، راسخ في كل ما نفعله ونقوله، ما نشاهده وما نراه، وأحيانًا فينا دون أن ندرك.
استغربت ممن تمنت فقط للنساء الأخريات أن يتحرّرن هن من قيودهن، وأن ينعمن بحياة وظروف وفرص أفضل.لا تعاني جميع النساء من جميع القضايا بنفس الدرجة؛ فماذا عنك أنت؟ هل حقًا وصلت إلى مكانة (لا أدري إن كان بعد نضال عسير أم بمجرد إعلان نسويتك) سقطت فيها عنك كل قيود المجتمع الأبوي، كل أشكال التمييز الاقتصادي والاجتماعي-السياسي بمجرد اختراقك لسوق العمل، مثلاً؟ ماذا مع كل القيود الأخرى غير المرئية في غالب الأحيان؟
هل أنت حرّة منها؟
لا يُسقط عني التمييز فور "إعلان نسويتي".



(2)


فقدت أمي، ثم بعد 5 أشهر لاحقًا أصبحت أمًا للمرة الأولى. كيف أفرح بأول يوم أم لي كأم وكابنة ثكلى؟ لم أفهم روعة وحكمة أمومتها إلا في ذاك اليوم. لم تكن تربيتها تقليدية ولا بأي شكل، فهي المناضلة، والناشطة والمرأة المهنية التي كرّست مهنتها لخدمة النساء والأطفال والمستضعفين، فكانت ترى في نشاطها الاجتماعي والسياسي جزءًا لا يتجزأ من أمومتها ومن سعيها لضمان حياة أفضل لأطفالها، وأطفال غيرها أيضًا.
أفهم اليوم (بعد أن أصبحت أمًّا لاثنين)، أن الأمومة ليست قيمة مفهومة ضمنًا؛ لكننا، كبشرية، نتعامل معها كذلك. فبينما يحمل يوم المرأة بعدًا نضاليًا، كلاسيكي وحديث، يتسم يوم/عيد الأم بالأساس بالمظاهر الاحتفالية والتهاني الدبقة - لذوقي الشخصي على الأقل. لا أقلل أبدًا من شأن الأمومة أو يوم الأم، لكن وضعت الثقافات المختلفة أيامًا تذكارية للتذكير السنوي بأهمية قضية نريد للأجيال القادمة أن تتربّى على قيمها ودروسها.
ما يزعجني في هذا اليوم، يوم الأم، هو تكريسنا كمجتمع للدور النمطي للأم في بنية مجتمع ذكورية، لا تقتصر علينا فقط كعرب. هذا الدور، والذي تقوم به النساء بطبيعة الحال دون نقاش علنيّ، يحدّد للأم دورها وأداءها: العطاء اللامتناهي، التحمّل، الصبر، التنازل عن المهنة أحيانًا، تقليل ساعات العمل، الضمنية في المسؤولية على البيت والأولاد، كلّها ترسّخ مكانة المرأة الدونية والتي قد تُشعرني، وأمهات أخريات بطبيعة الحال، بأن هذا الواجب ثقيل أحيانًا، فيه صراع متواصل بين ما أريده لنفسي، وبين ما يحتاجه أطفالي اليوم واضطراري، لكوني الأم (!)، بالقيام به دون جدال.
في يوم الأم هذا، فلنسمح لأنفسنا بالمصارحة بإحباطنا أحيانًا، بالتعب، بالمسؤوليات التي لا تنتهي. المصارحة بحقّي كامرأة أن أتطور وأعمل وأتقاضى أجرًا يلائم قدراتي وليس فقط عدد الساعات التي أستطيع منحها لعملي؛ ومن جهة أخرى، المصارحة بأن توقعات العائلة والبيئة والمجتمع تنهكني كأم في بيئة تعتبر أنني أنا المسؤولة الأولى عن تربية الأطفال وقضاء غالبية الوقت معهم.
صحيح أن آباء كثيرين يأخذون دورًا أكبر اليوم في تربية الأطفال، لكن، بالرغم من كل ذلك، ما زالت النمطية تقرّر تقسيمة الأدوار في الحيز الخاص، وبالتالي العام. لا جدال على أن الأطفال هم سعادة حقيقية، لكن دورنا كأمهات أن نضمن جيلاً قادمًا يستطيع تخفيف عبء الدور النمطي على الأمهات المستقبليات. كل عام وكل أم بخير.



(3)


قراري كامرأة أن أتبنى النسوية كتحليل للمجتمع الذي أحيا به هو اعتراف وتصريح بأنّي أرى هذه القيود، أعاني منها وأرفضها. إن كان في ممارسات الدولة مع شعبي ومجتمعي، ممارسات مجتمعي عليّ/ضدّي كامرأة، وفي ممارساتي أنا كامرأة على غيري من النساء. نتعامل كنساء مع هذا الواقع بطرق مختلفة، منّا من تقرر العيش بأمان في كنفه ووفق قواعده، قليلات يركلنه وقواعده أيضًا، بينما تحاول أخريات تغييره من الجذور. خيارات مشروعة، حتى لو لم تصبَّ كلها في مساعي التغيير المنشود.
كما أنني لا أصبح نسوية فور "إعلاني" ذلك، أيضًا تتعدى قيمة التضامن في النسوية إعلان الدعم لكل امرأة مهما كانت.  فيجدر التنويه هنا بعدم التزامي بتأييد وتشجيع أفعال وأقوال كل امرأة، وافقتني أو خالفتني الانتماء الفكري أو السياسي، فقط لكونها امرأة. لكن، وفي نفس الوقت، لا يمنعني ذلك من التضامن معها في حال تعرّضت حريتها، حرية تحركها ونشاطها أو حياتها لانتهاك أو تهديد أو تم انتقاص حق من حقوقها.
لكن، دعونا لا نجعل التضامن قيمة مطلقة، تكون أو لا تكون، فهي مشتقة من مواقف وممارسات. لا أستطيع التصفيق لمرأة، فقط لكونها امرأة (فهذا يقارب إقناعي التصويت لمرشح فقط لأنه ابن عائلتي)، غاضّة النظر عن فعلها، رقعة تحالفاتها وما يسيّرها.

قد يهمّكم أيضا..
featured

عدوان جرائم الحرب والفشل!

featured

آذار الورد والوعد والعهد

featured

لا سلام بدون اطلاق سراح الاسرى !

featured

مشروع خطير بين حماس واسرائيل

featured

القِلَّة والكثرة

featured

بين الطاعة والاحترام

featured

المصافحة بدلا من المقابحة !

featured

لا للجريمة القادمة