طلب هاتفيّا تحديد موعد لزيارتي هو وقرينته، دون معرفة سابقة، قلت له نحن نرحّب بضيوفنا دائما، حتى لو كانوا عابري سبيل، لا تربطنا معهم اية معرفة او صداقة، فهذه شيمنا العربية واخلاقنا، على درب وديع الصافي: للضيف مفتوحة منازلنا. حافظا على دقّة الموعد في ساعات المساء، قدّم نفسه: انا دافيد وقرينتي روتي، قلت لهما اسمان توراتيان يرمزان الى معان تاريخية واكثر من رابطة تجمعهما، واضاف: نحن من كيبوتس حولدا قرب رحوبوت. قلت لهما هذه القرية مقامة على انقاض وارض قرية خلدة العربية، قضاء الرملة، جاراتها: دير محيسن شرقا، امّ كلخة غربا، صيدون شمالا، وبيت جيز جنوبا!
ذُهلا واستغربا غير مصدّقين، قال دافيد اتريد ان تعلّمنا التاريخ والجغرافيا! قلت: اعوذ بالله ، انا اريد ان اذّكر فقط! قدّمت لي روت ورقة منقولة عن موقع سياحي الكتروني، جاء فيها: انني استضيف في بيتي مجموعات سياحية، ولديّ افكار وآراء سياسيّة ثابتة ومغايرة للراْي العام السائد في هذه الديار، ولدي اطّلاع على الحضارة العبرية، التوراة والتاريخ اليهودي! شكرتها باْدب ولطافة على هذه المعلومة والهدية! قال دافيد: اراك هنا في صورة مع عرفات، وفي اخرى مع فيصل الحسيني، وفي الثالثة مع ابي مازن، هؤلاء اعداء اسرائيل اللدودين، عرقلوا عملية السلام بعد اتفاقية اوسلو.. قاطعته مؤكّدا عرفات والحسيني رحمهما الله، واطال الله عمر ابي مازن، هم دعاة سلام وقادة شعبي العربي الفلسطيني، ونحن نعرف كيف قُتل الاثنان، وكيف قُتل اسحاق رابين، وكيف ومن واْد عملية السلام وهي في المهد. قال دافيد انت تُغالط عمدا.. ارتفعت درجة حرارتي، تمالكت اعصابي، وانتظرت المزيد من هرائه الذي يدلّ على شبه امّيّة مطبقة، بكل ما يتعلّق بالنزاع العربي الاسرائيلي، نفثا الكثير من السُمّ الزعاف... ولم اخرج عن صمتي وامعاني!
طلبتُ التّعرّف عليهما اكثر لمعرفة مستواهما العلمي والثقافي! قالت روت: انا مربّية في اطار التعليم الخاص وبعلي يعمل في شركة لصناعة الالبان والاجبان!عاد دافيد وساْل: ما رأيك بالموقف الفلسطيني المُعرقل للسلام المنشود من قبلنا! قلت له ببساطة: انت ترى القشة الصغيرة في عين الغير ولا ترى الخشبة الكبيرة في عينك! هل النتن يا هو /على طريقة المصريين / والبيبي يا هو/ على طريقة الاسرائيليين يريد السلام؟ هل وزير خارجيته الارعن الماْفون هو داعية سلام! هل قطعان المستوطنين السائبة ، الفلتانة والداشرة التي تحرق الاخضر واليابس في الضفة الغربية المحتلّة تريد السلام! هل المماطلات والاستيطان وتفريغ القدس العربية من سكانها العرب هي نوايا سلمية! وهل التعرّض لاسطول الحرية قبل سنة وقتل تسعة من افراده الاتراك بدم بارد هي بشائر سلام! ماذا تعرفان عن مصادرة الاراضي العربية في الداخل وفي المناطق العربية، البطالة المستشرية، التمييز العرقي في الميزانيات والتصنيع والتطوير، مخصصات السلطات المحلية العربية ، وحلّ بعضها والتهديد بحلّ ما تبقّى، ماذا تعرفان عن مستوى التحصيل العلمي في مدارسنا، الا زالت اللافتات العنصرية وبالبنط العريض على المفارق تقول: يجب تقديم مجرمي اوسلو الى المحاكمة..
قاطعني دافيد محتجا على تغيير فحوى الحوار والخروج عن المألوف، حسب زعمه، واخذ يلف ويدور في كلام ممجوج تافه وكليشيهات سامّة، وقال انا اميّز بين عربي عدو ودرزي مخلص للدولة، قاطعته بشدّة: الدرزي هو عربي كذلك، شئت ام ابيت! نحن في نظركم يهود من حيث الواجبات والعرب من حيث الحقوق! وخدمتنا الالزامية في الجيش هي قسر وعنوة وليس تطوّعا كما تدّعون!قال دافيد: قراكم متطوّرة جميلة وخلابة!قلت: لعل قرانا من برّا رخام ومن جوّا سخام! ارجو الا تغتر بالمظاهر الخارجية، حبّذا لو تعرّفتم على احياء الفقر، البطالة، الحرمان، مئات الازواج الشابّة بدون ماْوى عازفة عن الزواج مكرهة، ذكّرته بما قاله الوزير السابق: ايتان كابل وعلى المقبرة العسكرية في حرفيش قبل اربع سنوات: حكومات اسرائيل المتعاقبة تكذب على الطائفة الدرزية طيلة ستّين عاما واعدة بالمساواة، والتمييز والاجحاف يتفاقمان، وانا كوزير اخجل من هذه المعاملة. قال دافيد: العرب حاربونا وهربوا من البلاد طوعا! قلت: هذا كذب سافر، العرب دافعوا عن وطنهم المسلوب عنوة في وضح النهار، ولم يرحل اي عربي طوعا، انما ارغم على الرحيل، وقسم منهم مازال لاجئا في وطنه في اطار سياسة: حاضر/غائب، واسرائيل هي التي تتنكّر لقرارات الامم المتحدة، حتى لقرارات محكمة العدل العليا الاسرائيلية بخصوص اعادة مهجري قرى: كفر برعم، اقرث، الغابسية وغيرها!
قال: العرب قتلوا منا الابرياء والاطفال.. قلت واسرائيل قتلت اضعاف ما قتل العرب، ناهيك عن التهجير والحروب العدوانية، سيناء 1956، الايام الستة 1967، الغفران 1973، العدوان على لبنان 1982 و 2006 ناهيك عن العدوانات المتكررة على قطاع غزّة والضفة الغربية وهدم البنى التحتية وحرق البشر الشجر والحجر!طال الحديث سجالا، قدّمتُ لهما واجبات الضيافة بأدب، وعرّجنا على الادب العبري، حديثه وقديمه، ذكرتهما بالعصر الذهبي للعلاقات اليهودية العربية في بلاد الاندلس، حتى الكاهن الهرم عوباديا يوسيف رغم فتاويه العنصرية الظلامية، فانّه يعترف في كتاباته بان وضع اليهود في البلاد العربية كان افضل بكثير من وضعهم في سائر انحاء المعمورةّ! نفخ دافيد، استغرب، تلوّى، لفّ ودار، ولكنّه بقي يراوح مكانه ويجترّ كلامه السطحي، قالت الزوجة بكثير من الامتعاض والياْس: يا زوجي العزيز يبدو ان جولتنا هذه الليلة كلّها خسارة في خسارة، دعني لو سمحتَ، باْن اطلب من نمر كي يبارك لنا طريق عودتنا الى فندقنا الجليلي! قلت لها: انا لست كاهنا! قالت: ورغم ذلك، قُلْ لنا شيئا ما، لو سمحت!
قلت لهما بمنتهى الادب: انني اشفق على المواطن الاسرائيلي البسيط الساذج الذي يُغرّر به ليل نهار من قبل الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة، يشهرون فوق راْسه ليل نهار سيف الامن والبقرة المقدّسة والخوف من كل ما هو عربي، ارجو ان تصحوَا وتعودا الى رشدكما عاجلا!
اجابت بكثير من الخجل: حتى في هذه انت تتغلّب علينا يا هذا!
قلت: طابت ليلتكم والى لقاء آخر!
اجاب دافيد اعدك بانني ساْكرّر الزيارة ثانية!
قلت لعلّ وعسى مع افكار جديدة وبدون افكار مسبقة.
