*جماعة "الاخوان" أصدرت، فور إعلان فوز مرشحها، بيانًا تعلن فيه أن الرجل فقد عضويتها. هذا الإعلان بدا لبعضهم كأنه رسالة تطمين للمصريين غير المؤيدين للإخوان. أما في رؤية كاتب هذه السطور فقد بدا الإعلان ذاته تحوّطًا صاغته الجماعة حتى تتمكن من التنصل مما سيضطر الرئيس الإخواني إلى فعله حين يخالف ثوابت الإخوان، السلوك إزاء إسرائيل على سبيل المثال*
اقتضى الأمر، إذًا، انقضاء خمسة عشر شهرًا ليتضح ما هجس به بعضنا منذ بداية الأحداث المصرية في ميدان التحرير، فصار معروفًا بدرجة كافية من اليقين ما هو مسموح لجماعة الإخوان المسلمين الظفر به وما هو محظور. المسموح به والمحظور لا يومئان إلى أيّ مؤامرة، بل يتكشّفان عبر معرفة طبائع القوى وقدراتها وما يمكن لها أن تفعله أو تحجم عن فعله. وهذا يَسْهُلُ استخلاصه من المعلومات المتاحة والقراءة المتبصّرة للسياسات والسلوك.
ترد هنا في المقدمة قوّة الجماعة ذاتها وهي الممثل الأكثر تنظيمًا للأوساط المحافظة. فهذه القوة توفر للجماعة تأييدًا شعبيًا ثابتًا يشمل خمس المجتمع. وترد، أيضًا، قوّة المال والنفوذ النفطيّان العربيّان التي تدعم الإخوان المسلمين في سياق تحوُّطِها ضد نموّ قوة التقدميين. كما ترد قوّة المجلس العسكري الأعلى، وهو المجسّد لحضور الجيش ودوره في الحياة العامة، كما أنه المحتاج إلى قوّة شعبية يتكئ عليها دون أن تتقاضاه تنازلات كبيرة عن الصلاحيات التي يتمتع بها. وترد، أيضًا وأيضًا، قوّة الولايات المتحدة التي انتهت إدارتها إلى الاقتناع بأن لا مناص من الاتكاء على الإخوان المسلمين وما يمثلونه من اعتدال نسبي مقترن بالاستعداد للتفاهم مع هذه الإدارة.
فما هو هذا الذي اتضح، ما هو بالضبط؟
فساد حكم أسرة مبارك، فساده الشامل، السياسي والاجتماعي والمالي والثقافي، جعل نظام الحكم في مصر عبئًا حتى على المستفيدين من وجوده، وذلك بمقدار ما هو عبء على كواهل غالبية مواطني البلد. الجمهور الساخط تحرك بفعالية. والإخوان المسلمون التحقوا بالتحرك منذ ظهرت فعاليته. وفي ميادين الاحتجاج، التقى الديمقراطيون المصريون الأصحاح والإخوان المسلمون الذين حرّكتهم نوازع مختلفة. وتضافر أمران متصلان أحدهما بالآخر: التأييد الأميركي لتنحية أسرة مبارك، واضطرار المجلس العسكري الحريص على استمرار وجوده ودوره إلى التضحية بمبارك. وفي المعمعان الذي تجاور فيه الثوريون والمحافظون، التقدميون والرجعيون، برز الإخوان المسلمون بوصفهم أكثر القوى المدنيّة تنظيمًا، وبرز المجلس العسكري بوصفه المهيمن على الجيش، بينما بقي الديمقراطيون الأصحاح مفتقرين إلى ما ينظم جهودهم ويوحدّهم.
إزاء هذا الوضع، ومع ضمانها استمرار صلتها بالمجلس العسكري، طوّرت الولايات المتحدة تفاهمًا كانت قد شرعت قبل سنوات في إنشائه مع جماعة الإخوان المسلمين، وقَبِلَ المجلس العسكري تحت ضغط الحاجة ما كان قد رفضه أيام حكم مبارك، فدخل طرفًا في هذا التفاهم. وانضم فلول حكم مبارك إلى هذا التجمع بعد أن وُعدوا بأن يظفروا بحصة مما سيبقيه المجلس العسكري للقوى السياسية المدنية. وبهذا، اكتمل تجمع قوى الثورة المضادة، المنظَّم والمقتدر والمتمتع بدعم كتيبة الفضائيات المجندّة لخدمته وموارد المال التي لا تنضب. وبدا أن الوضع سوف يستقرّ على أساس أن تتقاسم قوى العسكريين والإخوان والفلول السيطرة على التطورات ويقال إن هذا هو عهد الديمقراطية.
الارتباك الذي حال دون الاستقرار حصل حين عجزت قيادة الإخوان عن التزام ما تعهّدت التزامه في التفاهم الذي رعته الولايات المتحدة. فالتفاهم أجاز للجماعة الحصول على ثلث مقاعد مجلسي الشعب والشورى، بحيث يكون لها فيهما حضور قويّ دون أن تهيمن عليهما. لكن الجماعة فعلت ما مكّنها هي والذين على شاكلتها من الظفر بما كاد يبلغ ثلثي المقاعد. والتفاهم استبقى منصب رئيس الجمهورية بصلاحياته الواسعة ليظفر به المرشح الذي يختاره المجلس العسكري، وحظر على الجماعة أن تُرشّح أحدًا من جانبها. فلم تكتف الجماعة بالمنافسة على منصب الرئيس، بل ناورت كي تضمن الفوز لمرشحها. والتفاهم ألزم الجماعة قبول الدولة المدنية وطيّ شعارها الشهير، الإسلام هو الحل. غير أن الجماعة استخدمت أغلبيتها البرلمانية لتجيء بلجنة تصوغ دستورًا ينسف أسس أي دولة مدنية وينشئ دولة ليست دينية، فقط، بل طائفية، أيضًا.
هنا، تحرك المجلس العسكري بالحزم الذي شهدناه في الفترة الأخيرة: حُلّ البرلمان، ووُضع إعلان دستوري يُقلّص صلاحيات رئيس الجمهورية بحيث لا يبقى للفائز الإخواني بالرئاسة مما يمون عليه إلا القليل.
بعد هذا، وليس قبله، أُجريت الانتخابات الرئاسية وفاز فيها مرشح الجماعة. وفي أول تصريح لهذا الرئيس، حرص، وهو القائد الإخواني، على تأكيد احترامه للمجلس العسكري بمقدار ما حرص على تأكيد التزامه اتفاق كامب ديفيد المصري الإسرائيلي الأميركي، الاتفاق الذي طالما صبّ هو وجماعته عليه اللعنات. ويلفت النظر أن الجماعة أصدرت، فور إعلان فوز مرشحها، بيانًا تعلن فيه أن الرجل فقد عضويتها. هذا الإعلان بدا لبعضهم كأنه رسالة تطمين للمصريين غير المؤيدين للإخوان. أما في رؤية كاتب هذه السطور فقد بدا الإعلان ذاته تحوّطًا صاغته الجماعة حتى تتمكن من التنصل مما سيضطر الرئيس الإخواني إلى فعله حين يخالف ثوابت الإخوان، السلوك إزاء إسرائيل على سبيل المثال.
فهل سيستمر التفاهم ويَقنعُ الإخوان بما قسم لهم؟ من المشكوك فيه أن تخالف هذه الجماعة طبيعتها، هي التي لم تثبت في تاريخها كلّه على أيّ تفاهم مع آخرين ولم تسلك باستقامة إزاء أيّ تفاهم.
محزن أن تصير مصر مخيّرة بين الغرق في الفوضى أو الرضوخ لوضع يحكمهما فيه الإخوان المسلمون أو المجلس العسكري أو كلاهما معًا. ومحزن أكثر أن تظل للولايات المتحدة السطوة التي تحققت لها من قبل.
