عيدُ التّجلِّي

single

الرفيق نمر نجار، دُمتَ مُشرقًا بينَنا (تصوير : موقع البرج)



تهنئةٌ عطرةٌ إلى صاحبِ الأنفاسِ الشّيوعيّةِ المعطَّرةِ والمعطِّرةِ، الفوّاحةِ بالمحبّةِ، والتَّواضعِ، ودماثةِ الخُلُقِ، والتَّسامحِ، والفرحِ، وتحمُّلِ المسؤوليّةِ، والعطاءِ الصَّامتِ، والتّمسُّكِ بالمبادئِ، الرَّفيقِ الرّزينِ نمر نجّار، بمناسبة بلوغِهِ السابعةَ والسَّبعينَ عامًا، في الثامن من تموز،  تُشرقُ شمسُه الوهّاجةُ للعامِ السَّابعِ والسَّبعينَ، تنشُرُ شعاعَ الشّيوعيّةِ الذَّهبيَّ على جبهةِ المجتمعِ، وتبعثُ دفءَ الحياةِ المتدفِّقَ في شرايينِ الحزبِ المتمدِّدةِ في تضاريسِ الوطنِ. تَتجدَّدُ إشراقةُ قرصِ الشَّمسِ الأحمرِ سبعًا وسبعينَ مرّةً، ولا يزدادُ الشُّعاعُ إلّا تلألُــؤًا وتألُّقًا ولمــَعانًا. يكبرُ الجسدُ فلا يزدادُ إلّا فاعليةً، وتنضجُ التَّجربةُ فلا تلدُ إلّا رأيًا سَديدًا.
نمر نجّار، الشّابُّ العصاميُّ الطّموحُ، المتسلّحُ بالوعيِ، المتزيّنُ بالمسؤوليّةِ، المتجذِّرُ في أعماقِ انتمائِهِ القوميِّ والوطنيِّ والإنسانيِّ، يكتشفُ طريقَ عمرِهِ في سنٍّ مبكِّرة، طريقَ الشيوعيّةِ المغضوبَ عليها من السُّلطةِ الظَّالمةِ؛ وما أصعبَ أنْ تنتسبَ إلى هذه الطَّريقِ وأنتَ معلمٌ فلسطينيٌّ، في بدايةِ طريقِهِ، المهنيّةِ والحياتيّةِ! ما أصعبَ أن تمارسَ دورَكَ الوطنيَّ والسياسيَّ والنّقابيَّ وأنتَ تمارسُ التّعليمَ في حِقبةِ الحكمِ العسكريِّ الإرهابيِّ الغاشمِ!! فيطلبُ الحزبُ من رفيقِهِ أنْ لا يُعلنَ انتسابَهُ، لكي يتأتَّى له الجمعُ بينَ عملِهِ السّياسيِّ والوطنيِّ وبينَ رسالةِ التَّعليمِ، فيمتثلُ الرفيقُ الواعي لدورِهِ الشّيوعيِّ المسؤولِ في زمنِ إرهابِ الدّولةِ.
أتشرَّفُ أنْ أعترفَ لأستاذي نمر نجار الذي علَّمني في صفيّ: السَّابعِ، والثّامنِ، أنني تعلّمتُ منهُ حبّي للّغةِ العربيّةِ، واعتزازي بها كجزءٍ من هُويّتي القوميَّة. لقد كانَ الأستاذ نمر نجّار يقرأُ علينا قصصَ الكاتبِ سليم خوري راسمًا مشهدًا تمثيليًّا حيًّا، بنبراتِ صوتِهِ الإيقاعيّةِ المتفاعلةِ معَ المضمونِ، وحركاتِ جسدِهِ النّاطقةِ. لقد تعلّمنا منْهُ أن نحترمَ أدبَنا الفلسطينيَّ، وأنْ نُجلَّ أدباءَنا الذينَ ينوّرونَ الدّروبَ أمامَنا.
لقد تعلّمتُ من أستاذي نمر نجّار التواضعَ الذي يمتلكُ النّفسَ والجسدَ والعقلَ. تعلّمتُ منْه معاملةَ الجميعِ بتساوٍ، بل أكثرُ من ذلكَ، تعلّمتُ كيفَ أكونُ إلى جانبِ المحرومِ من شروطِ الحياةِ الأوّليَّةِ، فأكونُ سندًا له. أخذتُ عنه بناءَ العلاقاتِ الطّيبةِ معَ الجميعِ، حتى لو اختلفتُ معهم بالرّأيِ. كانتْ هذه بعضَ دروسِنا الإعداديّةِ الأولى من هذا المعلّمِ.
عندما أصبحنا في الشّبيبةِ الشّيوعيّةِ، عام 1978، في مدرسةِ السِّياسةِ الواعيةِ، والفكرِ التّقدّميِّ الإنسانيِّ، والحياةِ الاجتماعيّةِ الرّاقيةِ والغنيّةِ، تعرّفنا أكثرَ على هذا الرّفيقِ الذي شرعَ يعملُ، قبل هذه الفترة، كشيوعيٍّ، غيرَ آبهٍ بتهديدِ ووعيدِ وزارةِ التربيةِ والتّعليمِ، هذا الرَّفيقِ الذي كانَ من مؤسّسي لجنةِ اليوبيلِ، عامَ 1975، التي تعتبرُ النّقلةَ النّوعيّةَ، السّياسيَّةَ، الاجتماعيّةَ والبلديّةَ في حياةِ كفرياسيف. هذه اللّجنةُ التي أسَّسَها شبابُ القريةِ الواعونَ، الرّافضونَ للوضعِ القائمِ، سياسيًّا واجتماعيًّا، وكانوا من مختلفِ الانتماءاتِ الموروثةِ، منْ أجلِ الاحتفالِ بمرورِ خمسينَ عامًا على تأسيسِ مجلسِ كفرياسيفِ المحليّ، كسُلطةٍ محليّةٍ منتخبةٍ، فبادروا إلى التّوعيةِ والتّثقيفِ، وإلى العملِ التّبرّعيِّ في مختلفِ أحياءِ البلدِ، بهدفِ النّهوضِ بالقريةِ وبمجتمعِها، على كلِّ الأصعدةِ.
ولقد كانَ هذا المشروعُ الكبيرُ هو التّمهيدُ المنظّمُ والعميقُ لتأسيسِ فرعِ الجبهةِ في كفرياسيف، عامَ 1978، هذا الفرعُ الذي كانَ الرّفيقُ نمر نجّار أحدَ قادتِهِ، وسكرتيرَهُ لأكثرِ منْ دورةٍ، فقادَ هذا الفرعُ البلدَ، طيلةَ عشرينَ عامًا، مُمثّلًا بقائدِ الحزبِ والجبهةِ، طيّبِ الذّكرِ، الرّفيق نمر مرقس، الذي كان الرفيقُ نمر نجار موضعَ ثقتِهِ، ومأمنَ سرِّه، وبابَ مشورتِه، وحضنَ صداقتِهِ الوفيّةِ. وفي هذه المرحلة تعلّمنا الدروسَ الكبيرةَ، دروسَ الحياةِ والسّياسةِ والعملِ الحزبيِّ والجبهويِّ، من المعلّمِ نمر نجّار.
لقد تعلّمنا منْه التّحلّي بالنّفسِ الطَّويلِ، في العملِ السّياسيِّ، وفي التّعاملِ معَ النّاسِ. فهمْنا منه مقولةَ "اللاز" للطّاهر وطّار: "إنَّ الثوريَّ يحفرُ الجبلَ بالإبرةِ لكيْ يحافظَ على حياتِهِ"؛ كان التّمعّنُ في خطواتِ هذا الرّفيقِ كافيًا لفهمِ عُمقِ هذهِ المقولةِ، وكانَ ذلكَ أفضلَ من سلسلةِ محاضراتٍ أو من قراءةِ مجموعةِ كتبٍ في الماركسيّةِ.
تعلّمْنا منْه الإخلاصَ لطريقِ الشّيوعيّةِ، والوفاءَ لها، مهما عصفتْ رياحُ الظّلمِ، واشتعلتْ نيرانُ الفتنةِ، كما ظهرتْ في عام 1981، حينَ ألّبتِ السُّلطةُ الأهلَ في جولسَ على الأهلِ في كفرياسيف، فأطفأَ وعيُ الرِّفاقِ، أمثالَ الرّفيقِ نمر نجّار، لهيبَ نيرانِ هذه الفتنةِ السُّلطويّةِ المنفلتةِ منْ كلِّ عِقالٍ.
تعلّمْنا منْهُ العطاءَ الصَّامتَ، والبذلَ من أجلِ المجموعِ، دونَ حسابٍ لجهدٍ أو لوقتٍ أو لمصلحةٍ ماديّةٍ. هذا العطاءُ الذي يتجنّبُ الأضواءَ، فيجلسُ صاحبُهُ بينَ الجمهورِ، بعدَ أن ضمنَ شروطَ نجاحِ المهرجانِ السّياسيِّ والوطنيِّ. هذا العطاءُ السخيُّ، المتواضعُ، الكتومُ، المنزَّهُ عن كلِّ مصلحةٍ سوى مصلحةِ الحزبِ والجبهةِ، حتّى لو كانَ على حسابِ المصلحةِ العائليّةِ، أو الخاصّة. هذا العطاءُ النَّهريُّ المتدفقُ بخطًى حثيثةٍ نحوَ البحرِ الذي يجمعُ مجهودَ المكافحينَ فيعلو به موجُ الكفاحِ العامِّ، هذا العطاءُ طالما أَسَرَ قلوبَنا وأَلبابَنا.
ما زلتُ أنظرُ إلى وجهِكَ السَّمْحِ، الذي يعكسُ نبلَ أخلاقِكَ، وحسنَ صفاتِكَ، وأستمعُ إلى عذبِ كلامِكَ، وبليغِ حِكَمِكَ، وسَدادِ رأيِكَ، ونفيسِ نُصحِكَ، حتّى أطمئنَّ إلى قادمِ الأيّامِ، فمهما يدلهمَّ الليلُ لنْ نفتقدَ البدرَ في الّليلةِ الظَّلماءِ.
في العامِ السَّابعِ والسَّبعينَ للرّفيق نمر نجّار يزدادُ الحزبُ شبابًا وجمالًا وقوّةً وأملًا باحتضانِهِ واحدًا منْ كنوزِ هذا الحزبِ، ومنْ مصادرِ قوّتِهِ، ومنْ أسبابِ رفعتِهِ، ومنْ غِنى رصيدِهِ، ومنْ المعادنِ التي تُحدّدُ قيمتَهُ، ومن معالمِ وجهِهِ الجميلِ، ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا.
في عيدِ ميلادِ الرّفيقِ نمر نجّار يتجلّى الحزبُ بأبهى صورِهِ وأجملِها وأروعِها. فكلَّ تَـجَلٍ وهذا الحزبُ بخيرٍ بالرِّفاقِ أمثالِ نمر نجار، دُمتَ مُشرقًا بينَنا، رفيقي وأستاذي نمر نجّار، في كلِّ عامٍ!  
تلميذُكَ ورفيقُكَ
إياد الحاج  


قد يهمّكم أيضا..
featured

الموت البشع والموت الجميل!!

featured

التغيير حصل، وانتهى الأمر..

featured

هروب إسرائيلي من الحل إلى الحرب

featured

أخماج السالمونيلات SALMONELLOSIS

featured

حول تركيا أردوغان وعمقها الإستراتيجي

featured

دولة نموذجيّة جديدة

featured

ليتصرفوا مثل ايران على الأقل!

featured

في مفهوم الإرهاب