بلدتي .. وطني الصغير

single

ما الذي تريده مني يا هذا ؟ أن أرسم حدود قريتي ؟ أن أصفها لك وأنت البعيد وأنا القريب ؟ بل أنا في حضن بلدتي .. هل تريد أن أحدثك عن تاريخها ؟ أتريد قريتي الواقع ؟ أم قريتي الحلم الجميل ؟ أتريد قريتي التاريخ الأصيل ؟
يوم كانت تحوي بضعة  آلاف من السكان ، وبضعة بيوت طينية .. والدروب المتعرجة الضيقة أوسعها كما يقول جدي يمر  منه الجمل محملا .. أم قريتي بساتين الرمان والتين والزيتون واللوز والكرز والخوخ والأجاص ، التي تحميها من حولها أشجار الصبار .
أم تريد أن أحدثك عن قريتي وعيونها الجميلة من عين البلد الى عين النزازة الى عين الشيخ مسعود الى عين الزيتونة ، الى عين وادي القصب ، إلى عين الحنية ، الى هذه العيون التي شكلت صمام الأمان لأبناء وبنات قريتي للبقاء فيها .
أم تريد أن أحدثك عن قريتي الآثار الرومانية والبيزنطية من مغاور وغيرها لعب جيلنا بها وفيها وحولها دون أن يعرف أن لها تاريخا عريقا وأنيقا .
أم تريد أن أعرفك على قريتي الأسطورة كما أحملها في مخيلتي أو أتمنى أن تكون على مر الأيام والعصور ؟
أعترف لك أنني لا أستطيع أن أحدثك عن قريتي الواقع القديم بكل تفصيلاته ، لأن هذا تجده عند من عاشوا هذا الواقع من أجداد وجدات واحتفظوا به في ذاكرتهم وتعلمناه منهم عن ظهر قلب فأحببنا قريتنا التي رسموها في القدم عنها .
حدثني جدي عن أسماء الأسر التي سكنت البيت الكبير ، وعن عين البلد حيث تقبل نسوة القرية بأزيائهن الفلاحية الفلسطينية لملء الجرار من الصباح الباكر مع تغريد العصافير وصياح الديك ،  وعن ترتيب الدور للشرب وعن حراسة القرية حين يعلن المنادي  بوجود عدوان على القرية فيأتي الشباب من كل حدب وصوب يحملون عصيهم للدفاع عن أغلى ما يملكون عن بلدهم .
وعن مقتل أبو فاعور الثائر في ثورة الـ 1936 م وكيف كانوا يخافون المرور من هناك لئلا تطلع "غوليته" ، كما قيل تصيح بأعلى صوتها " أنا غولية أبو فاعور الثائر الجبار ضد الأنجليز .. واللي قتلوني لازم يدفعوا الثمن غالي " ويتحسر جدي راح أبو فاعور وراحت أيامه مين بدوا يوخد بتاره ؟
وحدثتني جدتي عن الداي ( المولدة ) التي أحبها أهالي  القرية لأن على يديها خرج للحياة معظم أبناء القرية سالمين الى هذه المعمورة والكثيرون يرددون لولا الداية خضرة البدوية ، لما اخضرت ربوع قريتنا وازدانت بشبابها وشاباتها .
وحدثني جدي رحمه الله ،وشاهدت بأم عيني بعضا من هذا ، عن البيادر ومواسم القمح والسمسم والزيتون والرمان والتين ذي الأنواع العديدة ، الخضاري ، الخرطماني ، البياضي  ، وعن الخبيزة وعن قرية خبيزة التي أزيلت عن الوجود .
كانوا يؤرخون للميلاد في قريتي حسب المواسم فلي  عم ولد سنة الثلجة لكن مش أيام الثلج بل في موسم الحصاد من نفس العام ولي جد ولد يوم مقتل أبو فاعور من سنة الثورة ولي عمة ولدت في موسم التين وأخرى أثناء قطف الزيتون ، وما زال جدي يذكر مناطقها منطقة منطقة وكأن خريطتها أمامه، فهذه خلة الكباس، وتلك المظبعة، وثالثة سيورأوصيور ورابعة الخارجة وخامسة خلة الخشب ، وخلة الفجل ،  ووادي القصب وخور صقر والدبة ، والظهرات ، وبير امنيجل  .. هذه قريتي فكل شبر فيها حفظه أجدادي وأهلي .
وحتى كتاب القرية في بيت أم السعود وخطيب القرية ومعلمها حفظوا اسمه وكلهم يذكرون أسماء الأطفال الذين ماتوا يوم هدم البيت " الكتاب " وكيف ولولت النساء وبكين بكاء مرا على الأطفال الذين ماتوا دون ذنب اقترفوه .
أما أنا فما زلت أستمتع ببقايا الصبار حين أراه  وببقايا الزيتون حين أساعد في قطفه وأذكر الحاكورة وزراعة البندورة البلدية وأذكر بعضا من مربط فرس جدي وقن الدجاج الذي استعاضه والدي بقفص دجاج .
بلدتي زهر البرقوق وعصا الراعي المنتشر مع نور الصباح الربيعي في البراري البعيدة وأمام بيتنا ، بلدتي مرابع صباي ومرعى طفولتي وعز شبابي وهاهي بداية خريف عمري بلدتي كل نبضة بجسمي ، كل رمشة عين وكل ذكرى جميلة  .
بلدتي مازال في ناظري عجال البقر يسرح منذ الصباح الباكر مع راعي القرية وصوت الأبقار يشنف الآذان فكانت أثناء سراحتها إلى المرعى تطلق أصواتا  لا أبهى ولا أجمل ، وبعدها نسمع صوت ثغاء الماعز والنعاج تبدأ هي الأخرى بالثغاء نسمعه مع زقزقة العصافير المبكرة ، بلدتي الربيع الأخضر في فصل الربيع حيث يمتلئ جبل الخطاف بالشجيرات الخضراء من ميرامية وسنديان وبأزهار البر الجميلة من برقوق وعصا الراعي وأبو عباس الأصفر اللون ، ولكم كانت جميلة نزهاتنا التلقائية بأحضان الطبيعة ونحن نغني لأزهار بلدنا .
كل هذا وأنا أحلم أن يكون الى جانب بلدتي مطار مدني أستطيع أن اسافر لأي بلدة في العالم من بلدتي التي أعتبرها مركز العالم ، أن تكون فيها محطة قطارات من أحدث نوع لا تلوث البيئة فأريد البيئة في بلدتي نقية جميلة .
أريد أن تكون في بلدتي أجمل وأكبر حديقة حيوانات في العالم فأنا من دعاة الرفق بالحيوان وأحب أن أساعد من يساعد الحيوان .
أحب أن يكون أفضل المسارح مسرح بلدي وأجمل الحدائق الغناء حدائق بلدي بشرط أن تكون في كل حديقة شجرة زيتون وأخرى رمان وثالثة لوز بلدي .
قريتي حلم ربيع العمر .. حلم الطفولة .. وأمل المستقبل أتمنى وأحب أن تكون أجمل البلدان في هذا الزمان أيضا .
فصباح الخير يا بلدي وصباح الخير لكل بلدان وطني ،صباح الخير لكل واحد منكم وهو يقرأ جريدة بلداننا جميعا .

 


(عرعرة – المثلث )

قد يهمّكم أيضا..
featured

الأبرتهايد مقدمة الدولة ثنائية القومية

featured

هي كتاب ضخم صفحاته عطاء

featured

"معلش يا بلدي اتأخرت عليكي"

featured

الاعيب نتنياهو امست مفضوحة

featured

الانتقاد البنّاء والانتقاد الآخر

featured

حُماة "القاعدة" في حلب!

featured

احذروا الانزلاق نحو "الحلول الإنسانية والاقتصادية" على حساب الحل السياسي

featured

"تعلموا أسرارهم من كبارهم"