من أيّة طينة جُبِلوا، ومن أيّ ماء شربوا، ومن أيّ نبع نهلوا، حتّى خرجت هذه الخلطة المقدّسة من الطّين الخصب والماء العذب في اليوم السّادس دون أن يعرفوا ما معنى راحة اليوم السّابع، يومَ يرتاح باقي البشر، فقد واصلوا عملهم على مدار أيّام الأسبوع ما بين السُّهُبِ والشُّهُبِ ليبنوا بنيانًا متراصًّا ومُشيَّدًا وعميقًا في باطن الأرض تمتدّ جذوره إلى نواتها..
لقد خرج من هذه الطّينة الحمراء أناس أشدّاء وأقوياء وأشاوس، لا يعرفون أيّ نوع للكسل، بعد أن نُفِحت فيهم روح العمل والمثابرة والكدّ والجدّ والتّضحية والفداء، فخرجوا إلى الميدان ونمَوا وتكاثروا وملأوا الأرض وأخضعوا الطّاغوت دون خوف أو وجل وعملوا بتحدٍّ بطوليّ ونشاط دؤوب دون أن يرتاحوا يوم راحتهم في اليوم السّابع، بل راحوا يتابعون مسيرتهم وينشدون نشيدهم الصّاخب نشيد الأمميّة:
هُبُّوا نَمْحُو كُلَّ مَا مَرَّ هُبُّوا حَطِّمُوا القُيُود
وَابْنُوا الكَوْنَ جَدِيدًا حُرًّا وَكُونُوا أَنْتُمُ الوُجُود
وحين تعرّفوا على شجرة المعرفة ابنة التّسعين، سنديانتنا الحمراء وأختها زيتونتنا الخضراء، وعرفوا ثمارها جيِّدًا بدأوا يفرّقون ما بين الخير والشَّرِّ، بعد أن "أكلوها وجرَّبوها" على جلدهم شقاء الحياة وعذابها وهناءها، لذلك مُنحوا اسمًا جميلاً بحسب جنس الإنسان، رفيقة ورفيق، وأصبحوا رفاق الدّرب في السّرّاء والضّرّاء وفي العمل والجدل حيث أتوا النّاس جميعًا، من أهل الأرض، بالبيِّنات وأصبح الرّفيق للرّفيق كالبنيان المرصوص يشدُّ بعضه بعضًا فكانت قوّتهم في اتّحادهم واتّحادهم في قوّتهم..
لقد واصل رفاقنا عملهم اليوميّ من أجل لُقمة العيش بشرف وكبرياء بعملهم
النّضالي المثابر طيلة أيّام الأسبوع خاصّة أيّام الثّلاثاء والجمعة بعد يوم عمل مُضنٍ وفي يوم راحتهم، اليوم السّابع، كانوا يخرجون إلى القرى المجاورة والمتاخمة لبلدتهم من أجل نشر فكرهم، فكر الوعي الطّبقي والوطني والعدالة الاجتماعيّة والسّلام بنشر الكلمة الصّادقة المكتوبة في أدبيّات حزبنا الشّيوعي، بين الجماهير الكادحة والمُثقَّفة، بينما كان يذهب الآخرون للنّزهة وشمّ النّسيم والرّاحة، مع أنّ هذا أيضًا من حقِّهم الطّبيعي.
لقد كانت راحة رفاقنا/رفيقاتنا في كدِّهم وتعبهم وشقائهم وكم كانت غبطتهم كبيرة حين كانوا يقطفون ثمرة تعبهم حيث كانوا يكتفون بأقلّ من النّزر اليسير، لأنّهم كانوا يعملون عمل النّملة بتأنٍ وعمل النّحلة بنظامٍ، لكي يحيكوا لشعبهم الرّازح تحت الاحتلال ولطبقتهم العاملة المُضطَّهدة درع المجد والكبرياء والصّمود.
فمن الرّفاق/الرّفيقات من قضى تاركًا لنا التّجربة الجريئة والذّاكرة التّاريخيّة الغنيّة ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا، بل بقَوا قابضين على الجمر الملتهب أوفياءً للعهد الذي قطعوه على أنفسهم في سبيل الحفاظ على وجود شعبهم ووجودهم فوق أرضهم، في سبيل مجد وعزّة وكرامة الوطن بضمير حيٍّ ومنير وإيمان ثابت، كقول الشّاعر محمّد مهدي الجواهري:
بَاقٍ-وَأَعْمَارُ الطُّغَاةِ قِصَارُ– مِنْ سِفْرِ مَجْدِِكَ عَاطِرٌ مَوَّارُ
وَالمَجْدُ أَنْ تُهْدِي حَيَاتَكَ كَلَّهَا لِلنَّاسِ لا بَرَمٌ ولا إقْتَارُ
وَالمَجْدُ أَنْ يَحْمِيكَ مَجْدُكَ وَحْدَهُ فِي النَّاسِ..لا شُرَطٌ ولا أَنْصَارُ
وَالمَجْدُ إِشْعَاعُ الضَّمِيرِ لِضُوئِهِ تَهْفُو القُلُوبُ، وتَشْخَصُ الأَبْصَارُ
وَالمَجْدُ جَبَّارٌ عَلَى أَعْتَابِهِ تَهْوِي الرُّؤُوسُ..وَيَسْقُطُ الجَبَّارُ
لقد أردْتُ تدوين الحقائق التّاريخيّة المعروفة التي ذكرتها في كتاباتي السّابقة من على صحيفة الشّعب، الاتّحاد، النّاطقة باسم حزبنا الشّيوعي في بلادنا، باقتضاب وتركّزت في كتابتي على الحقائق المحكيّة والمعيشيّة اليوميّة والتي لم تُذكر قطّّ ولا يعرفها أحد من خارج نطاق هذه القرية/المدينة أو تلك أو حتّى يجهلها أهل القرية/المدينة الشّباب/الشّابّات تمامًا، أو يتجاهلها عمدًا، وحتى لا تبقى في بوتقة محصورة ضيّقة، محسورة في ذاكرة مجموعة مُعيَّنة من النّاس، رفاقنا، ولا يعرف غيرنا عنها شيئًا، وأردت تدوين الحقائق حتى لا تكون عرضةً للضَّياع إذا لم يتمّ تدارك الأمر عاجلاً.
إنّ هذه الوقائع المُخبّأة في أفئدة الرّفاق الذين ينتظرون اللحظة الكاشِفة كي يفتحوا عبّهم ويُفرّجوا عمّا في صدورهم ويُفرِجوا عن حكاياتهم ويُطلقوا سراح أسرارهم الدّفينة حتّى لا تضيع كلّما هبّت الرّيح أو كي لا تُوارى التراب مع حافظها يوم تأتي ساعة الحشر، فتزول بمجرّد غيابهم عن الأرض، لقد أردتُ كتابة ذاكرة الرّفاق وتدوينها لتقف بوضوح كقرص الشّمس في قبّة السّماء الزّرقاء مكشوفة لجميع الأنام، وأمام كلّ من تسوّل له نفسه تزوير الحقائق أو تغيير شيء من ذاكرة هؤلاء الأبطال، وتغييب تاريخ رفاقنا/رفيقاتنا وكتبتُ بطولاتهم حتى لا تكون ذكرياتهم محكيّة فحسب، بل وثيقة شرفٍ مكتوبة ومُدوّنة لمعرفة حيّة مزروعة في وجدان وضمير جماهير شعبنا، لذلك علينا أن نحفظها ونُحافظ عليها ونحرِص عليها ونحرسها من أيّ اعتداء أو تطاول وحتى نُعزِّزها علينا انتشالها من آبار ذاكرتنا لتروي ظمأ العِطاش وتروي قصّة رفاق/رفيقات جُبِلوا من طينة أخرى مميَّزة..
يقول الكاتب عبد الرّحمان منيف عن الذّاكرة في كتابته لمقدّمة كتاب الأديب الشّيوعي محمّد دكروب، "وجوه..لا تموت" ص 22: وهذه الكتابة وهذه الحياة هما الذّاكرة التّاريخيّة التي يجب أن نحرص عليها ونعزِّزها، لأنّ أحد التّعريفات المُميِّزة للإنسان أنّه مخلوق ذو ذاكرة، وأنّ له تاريخًا".
لقد سبح رفاقنا عكس التَّيَّار الجارف وواجهوا الأنواء العاتية بصدورهم العارية وفكرهم النّبيل، وسبحوا بين أسماك القرش المفترسة والحيتان، وعرفوا كيف يحمون البحر وسفنه ومراكبه وفلكه وأسماكه وعرفوا كيف يحمون شُطآن البحر الهدّار من عواصفه ومن شياطينه.
لقد فرضت عليهم الرّجعيّة المحليّة الحرمان الدّيني، وحاربتهم وحرّضت عليهم
باسم الدين نزولاً عند رغبة نفر من رجال الدّين الرّجعيّين ورغبة الحكومات الصّهيونيّة المتعاقبة في دحر الخطر الذي منحوه اسم "الخطر الشّيوعي"، ليكونوا غرباء بين أهلهم، لكنّهم فشلوا.
لقد فُرض على الرّفاق السّجن والنّفي والإبعاد والملاحقات والتّهديد والطّرد من العمل لتضيق الدّنيا في وجوههم حتّى لا يجدوا منفذًا لأزمتهم أو منقذًا لحياتهم غير تلك التي قد رسموها لهم حتّى يسير الرّفاق في طريقهم إلى العمالة وبيع الضّمير، لكنّ سياسة العصا والجزرة التي اتّبعوها هي الأخرى قد فشِلت.
تسعون ربيعًا من النّضال والمثابرة
تسعون ربيعًا من الكفاح والصّبر والتّحدّي
تسعون ربيعًا خاضها حزبنا الشّيوعي من أجل حياة حرّة كريمة لشعبَي هذه البلاد
ولنُضيء له واحدة وتسعين شمعةً في عيد ميلاده بعد أن أنار لنا الطريق ليُبيّن لنا ظلماتها.
ونسمو سويًّا إلى العلياء بأقدام ثابتة وهدّارة، على أرض من صوّان لا تهزّها الهزّات الأرضيّة ولا كوارث الطّبيعة.
وليبقى حزبنا شيوعيًّا صامدًا وثابتًا وراسِخًا إلى الأبد.
وهنيئًا لرفاقنا/رفيقاتنا بحزبنا وهنيئًا لحزبنا برفاقه/رفيقاته.
