تواجه حكومة نتنياهو – ليبرمان – براك اليمينية مأزقا سياسيا غير مسبوق. مأزقا مدلوله السياسي عزلة سياسية دولية واسعة جدا لسياسة الاحتلال والجرائم ضد الفلسطينيين والانسانية التي ارتكبها ويمارسها المحتل الاسرائيلي ضد الشعب العربي – الفلسطيني، ضد البشر والشجر والحجر في المناطق الفلسطينية المحتلة. فحتى اصدقاء اسرائيل العدوان وحلفاؤها المقربون في الامس القريب صوتوا مع تقرير لجنة غولدستون الاممية الذي تدين معطياته اسرائيل بارتكاب جرائم حرب في غزة، صوتوا مع نقل التقرير الى هيئات الشرعية الدولية، الى مجلس الامن والجمعية العمومية ومحكمة لاهاي الدولية. وبعض الحلفاء مثل دول الاتحاد الاوروبية، فرنسا وبريطانيا وغيرها لم يشاركوا في التصويت فقد امتنعوا عن ذلك.
وحكومة العدوان والجرائم تعمل على مواجهة هذا المأزق ليس بالكف عن ممارسة سياسة الاحتلال وممارسة النشاط الاستيطاني وجرائم العقوبات الجماعية ضد الفلسطينيين وحقوقهم الشرعية، بل بالعمل الناشط اعتمادا على استغلال مكابس الضغط الامريكية على العديد من الانظمة لمنع اقرار تقرير غولدستون في مجلس الامن الدولي او الجمعية العمومية للامم المتحدة، او وصوله الى ايدي العدالة في محكمة لاهاي الدولية لمحاكمة ومعاقبة المجرمين الاسرائيليين من ساسة وعسكريين ساهموا في ارتكاب الجرائم. وفي وقت توجه فيه حكومة نتنياهو اليمينية النقد اللاذع للانظمة في روسيا والصين والهند وغيرهم الذين صوتوا الى جانب تقرير غولدستون، فانها تمتشق سلاح الانتقام السياسي والاقتصادي التجاري من تركيا والنظام التركي واضعة هذا النظام في خانة الانظمة المعادية لاسرائيل والترويج لممارسة "عقوبات اقتصادية" على تركيا لموقفها الصلب الذي يدين جرائم الاحتلال الاسرائيلي. فمن اجراءات "المرجلة الفارغة" للعقوبات الاقتصادية دعوة لالغاء السياحة اليهودية الاسرائيلية الى المنتجعات التركية، دعوة المنظمات العمالية لالغاء الرحلات المنظمة الجماعية للعاملين للتنزه والراحة في المنتجعات التركية في انطاليا وغيرها. حتى وزير السياحة ستجنيكوف دعا رئيس الهستدروت عيني المساعدة في اقرار قانون "التنزه" لتوفير البديل لتركيا بترخيص اجرة الفنادق والمتنزهات الاسرائيلية في ايلات والبحر الميت. انها مرجلة فارغة لان الغالبية الساحقة من ملايين السياح الى تركيا تأتي من روسيا واوروبا وامريكا اللاتينية، اما حصة السياح الاسرائيليين الى تركيا فلا تبلغ اكثر من سبعة في المئة وهذا يشمل السياح العرب من مواطني اسرائيل! كما تهدد اسرائيل بتقليص وحتى الغاء صفقات التصدير الصناعي خاصة من مصنوعات "الهايتك" المدنية والعسكرية الى تركيا. ولا تعدم تركيا امكانية الحصول على البدائل الصناعية والعسكرية من مصادر اخرى من روسيا وغيرها. ولكن ما يثير غضب حكومة الاحتلال والجرائم هو التقارب التركي – السوري، والتركي الايراني، وان مصالح تركيا الاقتصادية والاستراتيجية تستدعي توثيق علاقاتها بالبلدان العربية وبسوقها الواسع. هذا الى جانب موقف الشعب التركي الضاغط على حكومته والمندد بجرائم المحتل الاسرائيلي والمتضامن مع الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية.
