تحدثت كتابة في الاسبوع الماضي عن "خطوة الى الخلف"... وكان فيها الكثير من اللف والبرم والدوران حتى اقول ما اردت قوله لكنني لم اقله. فلا أجمل الكلمات هي التي لم تقلها بعد، ولا أجمل الأطفال هو الذي لم يولد بعد، مع الاحترام لناظم حكمت. فما لم تقله غير موجود والطفل الذي لم يولد غير موجود لا في بهائه ولا في جماله. إن ما ترددت في الكتابة عنه هو تجنيد و/او محاولة تجنيد بعض الفئات و التيارات السياسية والمخابراتية والعسكرية لشبان من جماهيرنا العربية.
لقد ترددت فعلا في طرح هذا الموضوع وكان سبب التردد الخوف من ان يساء فهمي ويتم اعتبار الموضوع متعلّقا بالراهن من اعتقالات أو محاكمات أو محطات ارتزاق (دكاكين).. أو"تحريضا" مني على زريق عندما يعلق في العُلّيق. إنني من حيث المبدأ ضد هذا التجنيد. إن لوضعنا هنا في هذه البلاد - كأقلية قومية تعيش في وطن هو وطنها لكن حكامه يعتبرونها طابورا خامسا - لوضعنا هذا خصوصية. كفاحنا يجب أن يكون كفاحا سياسيا وبالطرق القانونية ومن خلال هامش الديمقراطية مهما كان ضيقا، ذلك الهامش الذي علينا النضال من أجل توسيعه. ليست القضية قضية ولاء لهذه الدولة. فإننا كأقلية قومية عربية فلسطينية لا يمكننا أن نوافق على يهودية الدولة، لان هذه الموافقة تلغينا وتنسف حقنا في الوجود. هنالك أشياء مبدئية لا يمكنني التخلّي عنها.. كحقي في الوجود على ارضي وفي وطني مهما كانت نوعيّة حكامه.
أحس أحيانا أنني امشي على حد السيف، وأن وجودي، مجرد وجودي في خطر. وعلى هذا الاساس لا يمكنني أن أعطي مبررا لعدوي لضربي ... هذا العدو الذي تخلّى منذ زمن عن الديمقراطية التي اعتاد ان يتشدّق بها.
ما أقوله هنا ليس في الموضة ولا يتمشّى مع روح العصر في التيارات القومية و الدينية المختلفة، لا فلسطينيا ولا عربيا ولا إسلاميا. من هنا جاء الحديث عن العاطفة و الانفعال و العفوية في المقالة السابقة التي لم أقل فيها ما أردت أن أقول . (نحن هنا دوم وليس يوم . . وعلينا أن ننطر قفانا). علينا ان نحتسب للغد الذي يحمل المجهول. وعلينا الا نسلّم للقدر، علينا أن نعقل ونتوكّل. إن مهمة تشكيل رأي عام واقعي وملتزم تقع على عاتق قيادتنا السياسية التي من المفروض أن تؤثر أكثر بكثير مما تتأثر، أن تحمي الناس لا أن تحتمي بهم وان تقود الشارع لا أن يقودها الشارع. على هذه القيادة ان تكون واعية لكي تنشر الوعي. وان تقول لغيران وحزب الله وبن لادن ولكل الجهات الفعلية أو الوهمية هنا أو في الخارج: يا عمي حِلّوا عنا! أتركونا بحالنا، نحن هنا وهنا باقون ولن يحمينا أحد سوانا!
