صورة عن رسالة الإخوان النجديين إلى كامل البديري
*كامل البديري أحد رواد الصحافة والكفاح المسلح في فلسطين*اغتيل عام 1923 أثناء رحلة لجمع السلاح في الجزيرة العربية*
في آذار 1921 قام وزير المستعمرات البريطاني في حينه وينستون تشيرتشل بزيارته الأولى إلى فلسطين، حيث وافق على مضض على استقبال وفد من الفلسطينيين في مقر المندوب السامي البريطاني هيربرت صموئيل في القدس والاستماع إلى مطالبهم. كان الوفد برئاسة موسى كاظم الحسيني الذي قدّم لتشيرتشل تلك المطالب وأبرزها مطلبان: الأول أن تتنصل بريطانيا من وعد بلفور، والثاني وقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين. كان رد تشيرتشل صادمًا، إذ رفض المطلبين بفظاظة لافتة للنظر ورغم قلة عدد اليهود في فلسطين أصرّ على أن تكون اللغتان العربية والعبرية رسميتين فيها وأن يُكتب باللغتين على أوراق وقطع العملة وطوابع البريد الفلسطينية، وخرج عقب اللقاء ليشارك في حفل خاص أقامته الحركة الصهيونية في جبل المطلع في القدس في الموقع الذي كان يجري فيه بناء الجامعة العبرية إحدى مؤسسات البنى التحتية للمشروع الصهيوني في فلسطين، حيث قام تشيرتشل بزرع شجرة في الموقع. وعندما سافر وفد المؤتمر العربي الفلسطيني إلى بريطانيا في آب/أغسطس 1921 والتقى تشيرتشل لاحقًا في ذلك العام وجَدَه وغيره من المسؤولين البريطانيين متمسكين برأيهم بشأن وعد بلفور وتدفق الهجرة اليهودية على فلسطين.
غير أن للكفاح المسلح في فلسطين قديمًا وحديثًا ظروفه وشروطه الخاصة، منها مصادر السلاح، فسلطات الاحتلال البريطانية منعت المواطنين الفلسطينيين من التسلح منذ وصلت إلى فلسطين عام 1918 إلى أن غادرتها في عام 1948 وضربت بيد من حديد كل فلسطيني حاول اقتناء السلاح أو مقاومة احتلالها لفلسطين ومشاريعها فيها. وكانت فلسطين في تلك الفترة محاطة بأقطار عربية واقعة تحت سيطرة القوتين الإمبرياليتين العظميين بريطانيا التي سيطرت على مصر والسودان والجزيرة العربية وشرق الأردن والعراق، وفرنسا التي سيطرت على لبنان وسورية ودول المغرب العربي، ما جعل مسألة دخول السلاح إلى فلسطين أمرًا شبه مستحيل، خصوصًا بعد أن أقامت بريطانيا إمارة شرق الأردن وعيّنت الأمير عبدالله ابن الشريف حسين أميرًا عليها في عام 1921. لذلك اضطر كامل البديري والجماعة التي قررت حمل السلاح التوجه إلى سلطنة نجد في قلب شبه الجزيرة العربية بقيادة السلطان، في حينه، عبدالعزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود، الملقب بـ"إبن سعود" الذي نجح في احتلال مدينة الرياض عام 1902 وأنشأ إمارة الرياض وبسط سيطرته لاحقًا على باقي أنحاء نجد والقطيف وجبل شمّر، بما فيه إمارة حائل التي انتزعها من آل الرشيد، وأطلق على إمارته في عام 1921 اسم سلطنة نجد.
فبالإضافة إلى اعتماده على الدعم البريطاني المالي والعسكري والسياسي له، كان عبدالعزيز آل سعود معتمدًا في تلك الفترة اعتمادًا كليًا على حركة "الإخوان" السلفية، التي تتبع تعاليم الشيخ النجدي الحنبلي المتشدد من القرن الثامن عشر محمد بن عبد الوهاب، واستخدم ابن سعود الإخوان قوة ضاربة لبسط نفوذه على أجزاء واسعة من شبه الجزيرة العربية. ورغم كونه زعيم هذه الحركة وإمامها الديني، كان عبدالعزيز آل سعود عاجزًا عن السيطرة كليًا على حركة الإخوان النجدية، وما لبث أن استفحل خطرها عليه، فخاض في عام 1929 معركة لتصفية المتشددين من قادتها وتطويعها.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى كانت نشاطات حركة الإخوان النجدية على كل لسان، حيث كثيرًا ما كان مقاتلوها يغيرون على المناطق المحاذية لنجد خاصة في الحجاز والعراق وشرق الأردن وحتى جنوب فلسطين، ما لفت أنظار العالم العربي إليهم وأزعج البريطانيين الذين سيطروا على هذه المناطق. وفي تموز 1922 استولى السلطان عبدالعزيز آل سعود على تيماء وخيبر والجوف ووادي السرحان وتقدم الإخوان نحو عمّان التي استقر فيها الأمير عبدالله ابن الشريف حسين وأنشأ بمساعدة بريطانيا في عام 1921 إمارة شرق الأردن. ففي مذكراته روى السير جون غلوب، الجنرال البريطاني الذي تم تكليفه بقيادة الجيش العربي في إمارة شرق الأردن وتوفير الحماية لحكم الأمير عبدالله ابن الشريف حسين، أن الإخوان النجديين لم يتوقفوا عن مهاجمة الأراضي التابعة لإمارة شرق الأردن في تلك الفترة ووصلوا إلى موقع يسمى زيزا كان فيه مطار عسكري للجيش البريطاني يبعد حوالى عشرة أميال إلى الجنوب من عمّان (9).
فكان من الطبيعي أن يلتفت الفلسطينيون الراغبون بالتحرر من السيطرة البريطانية إلى الإخوان في نجد ويسعون للحصول على مساعدة منهم، ناهيك عن فقدان الحركة الوطنية الفلسطينية تدريجيًا لثقتها بالعائلة الهاشمية بعد تعيين بريطانيا لفيصل وعبدالله، نجلي الشريف حسين، الأول ملكًا على العراق والثاني أميرًا على شرق الأردن. فمصالح كليهما فيصل وعبدالله أصبحت مرتبطة بالمصالح البريطانية في المنطقة، واستمرار حكمهما في العراق وشرق الأردن أصبح مرهونًا بالدعم البريطاني لهما، الأمر الذي وضع فيصل وعبدالله على طرفي نقيض مع الحركة الوطنية الفلسطينية التي كانت تعدّ العدة للبدء في الكفاح المسلح ضد البريطانيين، وذلك بعد أن كان الوطنيون الفلسطينيون يناصرون فيصل ويطالبون بالانضمام إلى مملكته في سورية. فأي تهديد للبريطانيين كان يعني تهديدًا لحكم فيصل وعبدالله. فلم يسمح عبدالله بنقل السلاح من أو عبر أراضي شرق الأردن إلى فلسطين. بل أصبح شرق الأردن منطقة معادية للحركة الوطنية الفلسطينية ودفعها نحو الجزيرة العربية.
في مثل هذه الظروف تحرك كامل البديري، ومن الواضح في الوثائق التي تم الاطلاع عليها أنه فعل ذلك بالتنسيق مع القيادة الوطنية الفلسطينية من أجل تجنيد السلاح للبدء في الكفاح المسلح في فلسطين.
شكل اتصال كامل البديري بالإخوان النجديين مشكلة، نظرًا لأمرين، الأول يعود إلى الإجراءات البريطانية المشددة على النشاطات العربية المسلحة في فلسطين وباقي المناطق الخاضعة لبريطانيا في الشرق الأوسط ومن ضمنها نشاطات الإخوان النجديين الذين هددوا جيرانهم، والذين ظلت بريطانيا تلاحق إبن سعود وتضغط عليه إلى أن أرغمته في النهاية على البطش بهم، وتطويعهم في عام 1929. والأمر الثاني، هو العداء المستحكم بين الهاشميين بقيادة الشريف حسين وأبنائه، خصوصًا فيصل وعبدالله، من جهة وبين آل سعود من جهة أخرى، فالهاشميون كانوا يشعرون بالخطر الداهم عليهم من إبن سعود وحركة الإخوان، وكانوا بحاجة ماسة إلى حماية بريطانيا لهم من هذا الخطر واستعدادهم لتقديم أي مساعدة لها لقاء هذه الحماية، ولم ينظر الهاشميون بعين الرضى إلى أي علاقة يقيمها أي طرف من الأطراف مع آل سعود، ما سبب مشكلة لكامل البديري.
رغم ما ورد في مذكرات الدكتور خليل البديري عن بدء كامل بتجميع السلاح فور احتلال بريطانيا لفلسطين، فإن إحدى المشاكل التي واجهت البحث في قصة كامل البديري هي الاهتداء إلى تاريخ محدد لبدء انخراطه في العمل المسلح وبدء اتصالاته مع آل سعود وحركة الإخوان في نجد. فأهم الوثائق المتوافرة عن علاقة كامل بالكفاح المسلح التي استندَت عليها ورقة البحث هذه هي ثلاث وثائق، منها رسالتان من دون تاريخ، الأولى من أحد قادة الإخوان النجديين إلى كامل البديري، والثانية تضمنت رد كامل عليها، أما الوثيقة الثالثة فهي تقرير استخباراتي بريطاني موجود في الأرشيف الوطني البريطاني.
وفي ما يلي نص رسالة الإخوان النجديين إلى كامل البديري:
"حضرة الفاضل كامل بك البديري حفظك الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: نحن لحد الآن بانتظار وعدكم لنا وننتظر همتكم بإتمام ما نحتاج إليه إن كان بطرفكم (كلمة غير مقروءة إ.ن.)
إنما يا حضرة الأخ تأخير جوابكم لنا لحد هذا اليوم أشغل فكري لدرجة لا يمكنني أصفها والذي زاده ما حصل أخيرًا بفلسطين فعليه أرجو حضرتكم إرسال تحرير يكون مفصلًا عن حوادث طرفكم وعن ما توفقتم عليه بشغلنا قبل يومين كان مَراد بعض الإخوان الحركة ولكنني منعتهم بينما يأتي تحرير من حضرتكم ولحد الآن منتظرين
يا عزيزي كامل: نحتاج لمشترى مقدار خمسين بندقية مع الجنجانة الكافية حيث المتطوعون كثيرون والسلاح قليل فعليه كيفما كان الحري تدارك ما يمكنكم لمشترا قسم من البنادق بطرفنا رخيصة للغاية بهذه الأيام فعليه أنتظر غيرتكم ووطنيتكم الشهيرة: نحن مصممون انشاء الله لا يردنا شيء عن فكرنا ولو أن نطوي جوعًا وعطشًا ونصير على العراء وكل شيء فعليه ننتظر الجواب بغاية السرعة يا أخي
(التوقيع - محمد منير.... هادي)
(حررته بساعة عجلة أرجو عدم الانتقاد ... محمد)"(10).
واضح من الرسالة أنها تتحدث عن اتفاق سابق جرى بين كامل البديري والإخوان النجديين، الذين كانوا يتأهبون للقتال في فلسطين، ما يعني أن اتصال كامل بالإخوان النجديين كان سابقًا لهذه الرسالة. لكن كاتب الرسالة استفسر عن أحداث معينة وقعت في تلك الفترة في فلسطين وأثارت اهتمام النجديين، ولم يجر في الرسالة تحديد تاريخ هذه الأحداث أو ماهيتها. ووُجِدت بين الوثائق رسالة أخرى غير مؤرخة بخط يد كامل وتوقيعه موجهة إلى شخص اسمه منير، يُفترض أنها ردًا على الرسالة الأولى، لأن كامل أجاب فيها على الاستفسارات التي وردت في الرسالة الأولى وتحدث بوضوح عن أحداث وقعت في أيار/مايو ذلك العام. ولدى العودة إلى الوثائق التاريخية المتوافرة من عام 1921، تبين أن ما يشبه الثورة أو الانتفاضة الشعبية حدثت في فلسطين على أثر صدام بين المهاجرين اليهود والفلسطينيين في تل أبيب ويافا وما لبثت أن انتشرت لتشمل مناطق أخرى في فلسطين، وهو ما اعتبره المؤرخون أول صدام جدي بين المهاجرين اليهود والعرب في فلسطين حيث قتل وجرح العشرات من الطرفين، ما استدعى تدخل السلطات البريطانية، حيث تقرر تشكيل لجنة تحقيق في تلك الحوادث برئاسة السير ثوماس هايكرافت، قاضي القضاة في فلسطين، وعضوية كل من إتش سي لوك، مساعد حاكم لواء القدس، وجيمس ستابز، من دائرة العدل، وقدمت لجنة التحقيق تقريرها إلى البرلمان البريطاني في تشرين الأول/أكتوبر 1921، الذي صدر في ذلك العام في كتاب خاص عن "مكتب القرطاسية الملكي" في لندن. فهذه الأحداث كانت هي المقصودة في الرسالتين ويمكن الجزم أن رسالة كامل كانت في أيار/مايو 1921 لأن تفاصيل الأحداث الواردة في الرسالة تتطابق مع تفاصيل الأحداث التي وردت في تقرير لجنة التحقيق (11).
