قدم رئيس الحكومة المكلف بنيامين نتنياهو يوم الثلاثاء من هذا الاسبوع، الاول من شهر نيسان الجاري، امام الهيئة العامة للكنيست اقتراح البنية الهيكلية لوزراء حكومته مرفقا بالخطوط العريضة لبرنامج سياسة هذه الحكومة في شتى المجالات السياسية والاقتصادية – الاجتماعية والثقافية. وتضم كتل الائتلاف المؤيدة للحكومة 69 -74 عضو كنيست من الليكود واسرائيل بيتنا والعمل وشاس وهئيحود هلئومي والبيت اليهودي. لم يشارك في التصويت على حكومة نتنياهو – ليبرمان وخادمهما ايهود براك خمسة نواب من حزب "العمل" المعارضين لدخول العمل ائتلافا في مركزه قوى اليمين المتطرف وهم: اوفير بينيس – باز وعمير بيرتس وشيلي يحيموفيتش ويولي تمير وسكرتير عام حزب العمل ايتان كابل.
وتتسم هذه الحكومة الثانية برئاسة نتنياهو الليكودي بميزتين اساسيتين بارزتين تختلفان عن جميع حكومات اسرائيل السابقة، الميزة الاولى، انها اكبر واوسع حكومة من حيث عدد الوزراء وعدد الوزراء بلا حقيبة وعدد نواب الوزراء في تاريخ اسرائيل، وحتى اكبر واوسع حكومة عالميا وبالمقارنة مع بلدان فيها التعددية الحزبية ونمط الانتخابات النسبية. ففي حكومة نتنياهو 30 وزيرا و8 نواب وزراء بينما في تركيا يبلغ عدد وزراء الحكومة 25 وزيرا وفي ايطاليا 22 وزيرا وفنلندا 20 وزيرا والدانمارك 19 وزيرا والبرتغال 17 وزيرا.. وقادة الليكود الذين كانو يطالبون من صفوف المعارضة بحكومة مقلصة من 18 وزيرا وانتقاد كاديما بالتبذير وبحكومة موسعة من 25 وزيرا لا حاجة لمثل هذا العدد، الليكود اليوم يتناسى موقفه السابق ولجأ نتنياهو الى "شراء السلطة" بواسطة وسائل الفساد والرشى، ضم كتل ائتلافية الى حكومة نتنياهو مقابل حقائب وزارية يفوق عددها القوة التمثيلية لهذا الحزب او ذاك وتقديم الحقائب ذات الوزن النوعي من حيث الاهمية، وليس هذا فحسب فلضمان دخول عضوية الائتلاف رضخ نتنياهو للابتزازات المالية لاحزاب شاس واسرائيل بيتنا والعمل، وقد وافق نتنياهو على تقديم الرشوة. فالاتفاقية الائتلافية مع حزب العمل تكلف خزينة الدولة 2,85 مليار شاقل وخمسة وزراء ونائب وزير، والاتفاقية مع شاس تكلف 2,65 مليار شاقل وثلاثة وزراء ونائبي وزيرين، ومع اسرائيل بيتنا 380 مليون شاقل وخمسة وزراء ونائب وزير. هذا اضافة الى انه تبلغ كلفة الوزير الواحد سنويا (مكتب الوزير وامن الوزير) اكثر من تسعة ملايبن شاقل، واذا عمرت حكومة نتنياهو كل مدتها القانونية فان كلفة الوزراء ونوابهم ستتعدى المليار شاقل، انها اكثر حكومة مبذرة في وقت يعاني فيه الاقتصاد الاسرائيلي اعمق ازمة ركود اقتصادي يؤكد حتى المتفائلون عن اكثر من ثلاثمئة الف معطل عن العمل ومليوني فقير حتى نهاية العام الفين وتسعة الجاري.
والميزة الثانية: ان حكومة نتنياهو – ليبرمان – براك اكثر حكومات اسرائيل كارثية وعدوانية وخطرا على السلام العادل والمساواة التامة والعدالة الاجتماعية والدمقراطية – فقوة الحسم المقررة في اطار ائتلاف نتنياهو، القوة الحاسمة في صياغة القرار والموقف من القضايا الجوهرية السياسية والاقتصادية هي قوى اليمين المتطرف من ممثلي قطعان الاستيطان الكولونيالي والفاشية العنصرية والترانسفيرية، اما حزب العمل فلن يكون دوره اكثر من "شرابة خرج" وخادم مطيع لسياسة قوى اليمين المغامرة، وقد يكون دخوله الاذدناب وراء سياسة اليمين بداية النهاية لوجود هذا الحزب.
• برنامج الوعود الكاذبة: ان تضخيم الجهاز الاداري الوزاري بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ اسرائيل يرتبط عضويا بالجهود التي بذلها نتنياهو لتجنيد اكثر ما يمكن من الاحزاب الصهيونية اليمينية واليمينية المتطرفة وورقة التين من حزب العمل لستر عورة قوى الكوارث وذلك بهدف ليس فقط تعزيز حكومة نتنياهو ورئاسته للحكومة بل كذلك والى جانب ذلك تجنيد اكثر القوى للمشاركة في ممارسة برنامج كارثي لمواجهة القضايا الجوهرية السياسية والاقتصادية الاجتماعية والقومية المطروحة على جدول اعمال المجتمع الاسرائيلي وساحة التطور والصراع اسرائيليا ومنطقيا وعالميا.
وفي خطاب العرش امام الهيئة العامة للكنيست يوم الثلاثاء الماضي عاد نتنياهو وكرر الموقف الديماغوغي المعادي للتسوية السياسية العادلة للصراع الاسرائيلي – الفلسطيني وللحل الدائم على اساس الدولتين – اسرائيل وفلسطين. ولم يذكر في خطابه حتى ولا مرة واحدة اسم دولة فلسطينية. فقد عاد نتنياهو الى ترديد بديل لحل الدولتين بشكل ينسف حق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني بالحرية والدولة والقدس والعودة! فقد اكد في خطابه "سنعمل لانجاز السلام مع الفلسطينيين في المجال الاقتصادي والامني والسياسي"!! واعطى نتنياهو حق الاولية للسلام الاقتصادي، تحسين نسبي للاوضاع الاقتصادية المعيشية للفلسطينيين من خلال علاقة التبعية بالاقتصاد الاسرائيلي والسوق الاسرائيلية. اما المدلول السياسي الذي يتوخاه نتنياهو وحكومته الكارثية من وراء "السلام الاقتصادي" ابتزاز تنازلات سياسية من الطرف الفلسطيني تنتقص من الثوابت الوطنية للحقوق الشرعية الفلسطينية غير القابلة للتصرف فاي سلام اقتصادي يمكن ان ينعش التنمية الاقتصادية وتحسين معيشة الفلسطينيين في ظل مصادرة واستيطان وتهويد القدس الشرقية واخصب الاراضي الزراعية وتدمير الصناعة الوطنية الفلسطينية ونهب المياه والثروات الطبيعية الفلسطينية من قبل المحتل وعصاباته من قطعان المستوطنين السائبة. واي تنمية اقتصادية في ظل تمزيق عرى التواصل الاقليمي بين المناطق الفلسطينية بواسطة الدرن السرطاني الاستيطاني وجدار الضم والعزل العنصري الذي تبنيه اسرائيل في الضفة الغربية المحتلة.
اما المجال الثاني في اطار خطة حكومة نتنياهو لتجنيز السلام مع الفلسطينيين فيطلق عليه نتنياهو "السلام الامني" وبوقاحة المستعمرين السافرة ان مدلول "السلام الامني" هو تقديم الدعم الاسرائيلي لجهاز امن فلسطيني يحارب الارهاب"!! فنتنياهو بجرة قلم شطب حقيقة وواقع ان الشعب العربي الفلسطيني يرزح تحت نير الاحتلال الاستيطاني الاسرائيلي وان قضية المركزية هي التحرر القومي لانجاز حق تقرير مصيره المسنود بقرارات الشرعية الدولية، نتنياهو وبوقاحة مستعمر مجرم يطالب الشعب العربي الفلسطيني بمحاربة مقاومته الوطنية للمحتلين وحماية امن الاحتلال والغزاة من المستوطنين!!
اما المسار الثالث للسلام مع الفلسطينيين في خطة نتنياهو وحكومته المعادية للتسوية العادلة فهو الادعاء بمواصلة محادثات السلام مع السلطة الوطنية الفلسطينية"!! ومعروف عن نتنياهو انه فنان في التضليل وفي اطلاق الوعود الكاذبة، فاي سلام مع الفلسطينيين في وقت يتنكر فيه بنيامين نتنياهو وحلفاؤه من قوى التطرف اليميني للحق الشرعي الفلسطيني بالدولة المستقلة.
أي سلام ممكن مع الفلسطينيين في وقت تواصل فيه الحكومة واحزاب الاستيطان في حكومة نتنياهو تسريعوتيرة الاستيطان والتهويد في القدس الشرقية وضواحيها وباقي مناطق الضفة الغربية المحتلة وبشكل يحول مناطق الضفة الغربية الى جزر وكانتونات مغلقة تفضلها المستوطنات والطرق الالتفافية عن بعضها البعض معرقلة التواصل الاقليمي فيما بينها. هذا اضافة الى رفض احزاب اليمين المتطرف وحكومة نتنياهو من اخلاء أي مستوطنة حتى من المستوطنات الهشة التي اقيمت بدون مصادقة سلطة الاحتلال الاسرائيلي.
ان "خطة السلام" مع الفلسطينيين التي تتبناها حكومة نتنياهو – ليبرمان – براك لا يمكن ان تكون مقبولة لا فلسطينيا ولا عربيا ولا عالميا. وليس من وليد الصدفة ان نتنياهو لم يتطرق لا من قريب ولا من بعيد لا للمبادرة العربية ولا لخارطة الطريق ولا لتفاهمات انابوليس ولا بالطبع لقرارات الشرعية الدولية التي جميعها تتحدث بشكل او بآخر حول حل دائم للصراع على اساس الدولتين، نتنياهو يفتش عن حل "ابداعي عملي" لاحكام ادارية فلسطينية مخصية الصلاحيات في جزء الكانتونات المتفرقة الواقعة تحت نير نظام ابرتهايدي احتلالي عنصري، خطة لا تقود الى سلام بل الى اشعال لهيب انتفاضة جديدة وحرب كارثية مدمرة قد تشمل المنطقة برمتها.
ومن الاهمية بمكان الملاحظة بان نتنياهو لم يتطرق الى العلاقة مع سوريا التي تحتل اسرائيل ومنذ السبعة والستين هضبة الجولان السورية المحتلة. فابان المعركة الانتخابية، ولكسب قوى اليمين المتطرف والاستيطان، صرح نتنياهو انه لن ينسحب من الهضبة السورية!
ان كومة نتنياهو الجديدة لا تقتصر مخاطرها الجدية على قضية الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني – العربية وعلى تعميق الازمة السياسية لحكومة اسرائيل، بل تتعداها في العجز عن مواجهة الازمة الاقتصادية وما يرافقها من ركود عميق وبطالة واسعة وفقر مستشر، كما ان الخطر بتصعيد العدوان الفاشي العنصري ضد العرب والدمقراطية سيكون الرفيق الملازم لحكومة الكوارث الجديدة.
ان سياسة حكومة الكوارث في المجال الاقتصادي – الاجتماعي ومخاطر الفاشية العنصرية المرتقبة في ظلها بحاجة كل منها الى معالجة خاصة تأمل ان نعود اليها في معالجات قادمة، ولكن ما نود تأكيده ومن خبرة حوالي ثلاثة عقود مرت انه بسبب السياسة العدوانية الاسرائيلية المتنكرة للحقوق الشرعية الفلسطينية ولاستحقاقات انجاز السلام العادل واسقاطات ذلك على تعميق الازمة الاقتصادية وزيادة الفقر والبطالة في اسرائيل فانه منذ اواسط الثمانينيات لم تنه أي حكومة من حكومات اسرائيل المتعاقبة حتى يومنا هذا مدة حكمها القانوني وسقطت قبل الميعاد، ولن يكون مصير حكومة نتنياهو – ليبرمان – براك القائمة على قواعد الفساد والرشى وعلى التطرف اليميني المعادي للسلام والمساواة والعدالة الاجتماعية بافضل من مصير سابقاتها من الحكومات المنهارة قبل موعدها القانوني المحدد.
