تبجّحٌ يبلغ حدّ السماجة

single
يحكون في إسرائيل على استعداد هذه الدولة لتوجيه ضربة عسكرية لإيران حتى لو لم توافق الإدارة الأميركية. ويصدر عن ناسٍ في هذه الإدارة حكيٌ فيه إيماءات توحي بأن إسرائيل قد تفعلها دون علم هذه الإدارة. هذا الحكي بشقّيه يُحضر إلى الذهن مسألة طبيعة العلاقة بين تل أبيب وواشنطن، المسألة التي شغلت الأذهان منذ خمسينيات القرن المنصرم.
عربان التبعية يُروّجون في هذا الشأن ما ينفعهم. هؤلاء يقولون إن إسرائيل هي التي ترسم السلوك الأميركي تجاه دول منطقتنا. ومن أجل تعميم هذه القناعة المضلّلة يتجنّد مفكرون وكتاب وسياسيون وخبراء من شتى الأصناف، لاستحضار حقائق معزولة عن سياقها، أو أنصاف حقائق، أو حتى أباطيل، وتُبنى على هذا الخليط أحكامٌ تخدم ما يُراد ترويجه، لتبرئة الحكام الأميركيين من نيّة الإساءة لشعوب المنطقة، ولوضع المسؤولية على عاتق إسرائيل التي تستخدم النفوذ اليهودي والمال اليهودي والإعلام اليهودي فتحمل ناس الإدارات الأميركية حملا على الانحياز لها.
في صلب هذا الترويج المتواتر تكمن حاجةُ عربان التبعية لتسويغ ما يفعلونه هم بشعوبهم لصالح الامبريالية، حين يُجيزون لدولها،  خصوصا للولايات المتحدة، أن تنهب ثروات هذه الشعوب جهارًا نهارًا وأن تُحيل أراضيها إلى قواعد  للعدوان على أيِّ مناوئ لها. والمشكلة أن الإمكانيات المرصودة لترويج هذا الحكم المضلل وسّعت ضرره فشمل ليبراليين وتقدميين كثيرين توهموا أنهم يُحسنون صنعًا إذا أخذوا به. وفي أوساط العرب المستغربين، هؤلاء الذين ليسوا بالضرورة من عربان التبعية، يوجد كثيرون يُصدقون أن الإدارات الأميركية حسنةُ النيّة تجاه المنطقة. وإذا وقع من سلوك هذا الإدارات ما يُظهر نوايا مختلفة، نسب المستغربون، هؤلاء، ما يقع إلى نفوذ إسرائيل ويهودها واليهود الأميركيين وقدراتهم.
أقل العرب، هؤلاء الذين تجدهم في الأوساط التي يضعها وعيها في تناقض جذري مع الامبريالية، هم الذين يُدركون أن السلوك الأميركي ترسمه مصالح القوى الأميركية التي تحكم أميركا. وإذا كان لإسرائيل ما يُميزها عن القوى التابعة للولايات المتحدة فهي كفاءتها الخاصة في خدمة المصالح الأميركية وقدرتها، بالتالي، على استخلاص مكافآت سخيّة من الذين تخدمهم.
إسرائيل، في وعي الذين لا يتسترون على شرور المعلّم الأكبر بإبراز شرور التابع الصغير، هي تابع كفؤ، بلطجيّ مأجور يحقق لمعلمه ما هو مطلوب منه وزيادة، فيستحق أجره الذي يطلبه، وينال فوقه المكافآت السخية.
هذا الحكم الذي تجعله الحاجة إلى الإيجاز مبسّطًا لن يتبدّل إذا أمعنّا في أيّ تفاصيل. وهذا لا ينفي أن للتابع حاجاته الخاصة، أو أن المعلم يجيز له ان يُعنى بهذه الحاجات. فلا شك في أن إسرائيل تتمتع بمقدار من حق التحرك وفق ما تمليه حاجاتها هذه، لكن في مسائل لا تجعل سلوك التابع متناقضًا مع مصالح المعلم. ففي المسائل الجوهرية ينطبق على إسرائيل ما ينطبق على أيّ تابع حتى وهو عالي الكفاءة.
السلوك تجاه إيران متصل بصلب حاجات الامبريالية المعولمة. وحاجات هذه الامبريالية لا تقتصر، فقط، على حرمان إيران من الاحتياز على الطاقة الذرية والتمتع بالقدرة على حماية ذاتها، بل تشمل، أيضًا، منع إيران من بلوغ مستوى تطور يمكنها من مواصلة العيش باستقلال حقيقي واستخدام ثرواتها لصالحها هي.
ما تخشاه الإدارة الأميركية في المقام الأول ليس هو السلاح الذري في يد إيران. فقبل إيران بعقود احتازت باكستان على هذا السلاح فعلا فلم تشنّ الولايات المتحدة الحرب على هذا البلد المسلم، ليس لأنها عاجزة عن شن حرب، بل لأن هذا البلد لم يقرن حصوله على هذا السلاح بتعزيز قدرته على التصرف المستقل. وحين تقول الإدارات الأميركية إنها لن تبيح لإيران أن تحصل على السلاح الذري فهي تعني أنها لن تبيح لدولة تناوئها أن تُعزّز قدرتها على التصرف المستقل.
إسرائيل تعرف هذا. ووضع إسرائيل الخاص يجعلها في مقدمة المستفيدين من جهود الإدارة الأميركية لوأد تطور قدرات إيران الصناعية، المدنية أو العسكرية. لكن، حين يتبجّح حكام إسرائيل بأنهم سيشنّون هجومًا على إيران دون موافقة الإدارة الأميركية أو دون علمها، فهذا التبجح يندرج، أول ما يندرج، في باب السماجة، السماجة التي يجسدها استمرارُ حكام هذا البلد في الاستهانة بعقول بني البشر، ناهيكم بأنه يندرج أيضًا في باب التباهي بالقدرة على ارتكاب أشنع الجرائم.
وحين يتعلق الأمر بأنظمة عربان التبعية، فان حكام هذه الأنظمة لا بد أن يُحسبوا في البلهاء، وليس السذّج وحدهم، إذا توهموا أن نسبة الهجوم على إيران إلى إسرائيل وحدها ستعفيهم هم من المسؤولية. فالواقع أن الهجوم على إيران، أيًا من كان عليه منفذّوه، لا يمكن أن يتمّ دون مساهمة هؤلاء الحكام فيه، وها هم يُساهمون في التحضير له، على الأرض، وفي الجوّ، وعلى الماء. وهم يساهمون الآن بعناد قبيح في ما هو أسوأ، وذلك حين يتجندون لإغراق سورية في الدم، حتى ينشغل السوريّون بعضهم ببعض، فتخسر إيران سندًا تُعوّل عليه للدفاع عن نفسها إن تعرضت للهجوم.
قد يهمّكم أيضا..
featured

الاقتصاد الأميركي وانتخابات 2012

featured

حتمية سقوط البرجوازية وانتصار البروليتاريا

featured

المفكّر الذي احترمناه وأحببناه

featured

ولم تحترق السفير

featured

غبار الأيّام: البعنة الحمراء في عيون شعبنا وستبقى جوهرة

featured

قمّـة الكويـت: إمـا المصالحـة او أنهـا آخـر القمـم

featured

واجبنا الأساسي منع روايتنا من الدخول الى خانة التقادم!