المفكّر الذي احترمناه وأحببناه

single

كنتُ أزوره في مكتبه المتواضع في شارع صهيون في حيفا (اسم عائلة عربية حيفاوية عريقة) حينما كان رئيس تحرير مجلة "الجديد" ما بين سنة 1980- 1985 فأجده مستغرقا في الكتابة بقلم الحبر السائل على ورق الصحف الرخيص فيرفع رأسه ذا الشعر الشائب وينزل نظارتيه ويرحبّ بي ويدعوني إلى الجلوس، وأحيانا كنتُ أجده يغسل بيديه صحنه وشوكته في زاوية صغيرة من المكتب تسمى مطبخا من باب التسامح، بعد أن تناول طعامه البسيط فيسألني: هل تحب أن تشرب اليانسون أم القهوة؟ ويضيف: أنا أفضل اليانسون. ويبدأ بإعداده بنفسه.
كان رجلا رزينا ذا هيبة كبيرة. يتحدث بهدوء فتصغي إليه جيدا. يحلل ويناقش معتمدا على فكره الثاقب وثقافته الواسعة وقراءاته اليومية للكتب والصحف فتشعر أنك في حضرة ينبوع معطاء هادئ. وكان تواضعه يزيده وقارا ومهابة.
دعاني في أواخر السبعينات إلى مكتب "الإتحاد" في شارع الحريري لإجراء حوار معي. وكنتُ يومئذ كاتبا شابا وكان هو رئيس تحرير "الإتحاد" وكاتبا كبيرا وقائدا وطنيا سياسيا بارزا، وقد سجّل الحوار الكاتب عفيف صلاح سالم ونُشر في "الإتحاد". شعرتُ في بداية اللقاء برهبة، ولكن دماثة الرجل وتواضعه أزالا الحواجز بيننا. وما زلتُ حتى اليوم أعتبر ذلك الحوار الصحفيّ معه بالذات وفي "الإتحاد" تكريما لي. وقد أعادت نشر اللقاء صحف فلسطينية وعربية.
أظن بل أعتقد أن الغالبية العظمى من الجامعيين والأكاديميين الفلسطينيين لم يقرأوا أو لم يطلعوا على تراث مؤرخ القضية الفلسطينية د.إميل توما فالتراث الفكريّ الغنيّ الذي تركه لنا هذا العالم الجليل لم يدخل مناهج التدريس كما أنّ كليات التاريخ وكليات العلوم السياسية في الجامعات الفلسطينية لم تعطه حقه العلميّ والوطنيّ. وأكاد أقول أن عدم قراءة مؤلفات د.توما أو بعضها يترك نقصا في المخزون الثقافيّ لأي مثقف أو سياسي فلسطينيّ وفي رؤياه.
وُلد إميل توما في حيفا في 16 آذار 1916 ودرس في حيفا وفي القدس وفي جامعة كيمبردج في لندن ونال شهادة الدكتوراة من معهد الإستشراق في موسكو عن أطروحته الهامة "مسيرة الشعوب العربية".
كان رئيس تحرير "الإتحاد" الأول من 1944-1948 ومن مؤسسي "عصبة التحرر الوطني" في شباط 1944 وأُنتخب سكرتيرها العام وعمره يومئذ 25 عاما، فهل تتخيلون قائدا وطنيا وسياسيا بارزا في الخامسة والعشرين من عمره.
عارض إميل توما قرار التقسيم في العام 1948 على الرغم من تأييد عصبة التحرر الوطني له ودعا إلى إقامة دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين كلها. وإميل توما الذي عارض قرار التقسيم في تلك الأيام كان من الذين وضعوا برنامج السلام الفلسطينيّ الإسرائيليّ الذي يعتمد على إقامة دولة فلسطينية مستقلة بجانب دولة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية  التي احتلتها إسرائيل في حزيران 67، هذا الطرح السياسيّ الواقعيّ الذي تبنته م.ت.ف. وجامعة الدول العربية والإتحاد الأوروبيّ والولايات المتحدة الأمريكية والعديد من دول العالم ومعظم الأحزاب الإسرائيلية.
كان د.إميل توما قائدا وطنيا بارزا وكان المفكر الماركسيّ الكبير أو الأيديولوج للحزب الشيوعي (راكاح). وكتب مع رفيق دربه الكاتب إميل حبيبي "وثيقة مؤتمر الجماهير العربية" الشهيرة في العام 1981 التي وقعتها مئات الشخصيات الاجتماعية والثقافية والسياسية العربية وأكدت على أنّ الأقلية العربية في إسرائيل جزء حيويّ وهام من الشعب الفلسطينيّ ودعت إلى المساواة التامة والسلام العادل مما أثار حفيظة مناحم بيغن، رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير الأمن يومئذ فأصدر أمرا، معتمدا على أنظمة الطوارئ الانتدابية، يحظر فيه عقد المؤتمر.
كتب إميل توما أربعة عشر كتابا جُمعت في خمسة مجلدات وكان يكتب النقد الأدبيّ بالإضافة إلى أبحاثه التاريخيّة والفكريّة.
رحل إميل توما في 27 آب 1985 وهو في قمة عطائه الفكريّ والسياسيّ وترك إرثا فكريا كبيرا وفراغا هائلا.
يا أبا ميخائيل كأنك ما زلت بيننا، نحن الذين عرفناك وصادقناك وناقشناك وأحببناك واحترمناك وعملنا معك وتعلمنا منك وشربنا اليانسون وغيره معك.                                 

        

قد يهمّكم أيضا..
featured

لا أمن بدون عدل

featured

القطران السوري واللبناني شقيقان متجاوران ويجمعهما الرابطة القومية والمصير المشترك

featured

بعد رسالة أوباما لإيران.."الاعتدال" العربي في ورطة

featured

توفيق طوبي المعلم والبوصلة

featured

هل انتهت صلاحية المرأة الفلسطينية..

featured

علي شريعتي: المزاوجة بين الاسلام والفكر التقدمي

featured

قامَةٌ وقِمَّةٌ وقُمامة

featured

"هذا الموجود"، فما العمل؟