المنارة على قمَّة صهيون

single

المناضل الراحل داود تركي (ابو عايدة)

 

 

أعادني استاذي فتحي فوراني إلى أيَّامي العزيزة الغابرة، يومَ كنتُ أجالسُ فيها الكتب في بحرها، على "قمَّة صهيون" أُطالع الجديدَ منها والقديم، لأعرف طالع الأمور على مجالات شتَّى سياسيَّة وأدبيَّة وثقافيَّة وعلميَّة، واسترقُ أطراف وألبابَ الأحاديث الشيِّقة التي كانت تدور بين صاحب مكتبة "النُّور"، المُثقَّف الثَّوري داود تركي وبين عشَّاق الأدب والمعرفة وناهلي العلم والثَّقافة والفنِّ، الذين كانوا يزورونه بشكلٍ دوريٍّ في مكتبتهِ، الرَّابضة كالمنارة/ الفنار الذي يشير بنوره للتَّائهين ويَدلُّهم على شجرة المعرفة وعلى طريق برِّ الأمان ليحميهم من دياجير الليالي المُظلِمة بعد دخول القمر في محاقه، على الزَّاوية الفاصلة بين شارعي الخوري وصهْيون، اللذين مُنِحا هذين الإسمين نسبةً لعائلتين عربيَّتين عريقتين سكنتا حيفا، هما عائلة الخوري وصهيون، وكانت المكتبة منارةً ترسم الحدودَ بين الأفكار التَّبعيَّة والرَّجعيَّة والانهزاميَّة والأفكار الوطنيَّة الشَّريفة والشُّجاعة المؤدِّية الى الاستقلال..
أعادني أستاذي أبو نزار الى مقاعد الدِّراسة الثَّانويَّة، عندما تولَّى تربيته لصفِّنا وتدريسنا اللغة العربيَّة، حيث عرَّفنا حينها على ابراهيم طوقان وخليل السَّكاكيني ولوركا وطاغور ومحمَّد الماغوط وزكريَّا تامر ومحمَّد مهدي الجواهري ورئيف خوري وناظم حكمت وأراغون وعبد الرحمن الشَّرقاوي وصفيِّ الدِّين الحلِّيِّ وغيرهم من أعلام التَّربية التَّقدُّميَّة والإنسانيَّة وكذلك عرَّفنا على كتاب "المستطرَف في كلِّ فنٍّ مستظرَف" لشهاب الدِّين محمَّد بن أحمد أبي الفتحِ الأبشيهيِّ، وقد اقتنيته منذ تعريفنا به وما زال ذلك الكتاب يُزيِّن مكتبتي ويُثير استطلاعي وفضولي في كلِّ حين، وكلَّما ألحظه على الرَّفِّ أرى فيه صورة استاذي أبي نزار..
أعادني رفيقي واستاذي إلى سجلِّ ذكرياتي مع عمِّي المناضل داود تركي، أبي عائدة، شقيق والدي، فأراه جالِسًا في مكتبته يقرأ في كتاب ويحادثني بلغة بالغة وبليغة، وأنا دون العاشرة أو يزيد، عن الكتب والمجلات التي بحوْزته ويعرِّفني بصور المناضلين التي كانت تزيِّن رفوف المكتبة من كاسترو وتشي جيفارا ويُناديني بتحبُّبٍ "يا خالد بن الوليد يا سيف الله المسلول"، أو "يا أبا الوليد إقرأ لي هذه القصيدة أو تلك الفقرة"، بعد أن يُحدِّد لي نغمة الإلقاء، وأعرف أنَّ والدي، أبا خالد، منحني اسمي اعتزازًا بسيف الله المستلِّ من غمده، ليقاتل فيه الكافرين والظَّالمين والمُرتدِّين عن الطَّريق الصَّحيح وينصُر الحقَّ على الباطل، وقد زاد عِشقي لأسمي لأنَّ ابن جمال عبد النَّاصر قائد القوميَّة العربيَّة الفذِّ، والذي قضَّ مضاجع آل سعود وزبانيَتهم،  يحمل الاسم ذاته، وهتف لدمشق قلب العروبة النَّابض..
أعادني معلِّمي فتحي إلى ذاكرتي التي احتفظ بها على تَذكاري من كتب أهدانيها أبو عائدة، من روائع ادب الأطفال التي ما زالت تصون أناقتها على رفوف مكتبتي إلى جانب كتاب "الأمِّ" لمكسيم غوركي، وأحفظُ أيضًا من "النُّور" أسماء اشخاص، من جميع مناطق الوطن الصَّغير، من أدباء وشعراء ورجال علم وفكر كانوا يزورونه في مكتبته، قِبلتهم، حيث كانت لهم مساهمة كبيرة في صمود شعبنا وصناعة مجده وتعزيزه..
وأعادني المُربِّي فتحي إلى بائيَّة أمير الشُّعراء أحمد شوقي، في بحرها البسيط، في مدح مصطفى كمال أتاتورك عندما كان يُلقيها لي على مسمعٍ من طلاب صفِّي:
الله أكبر كم في الفتحِ من عجبٍ               يا خالد التُّركِ جدِّد خالد العربِ
ويُشدِّد الاستاذ على "خالد التُّرك" فينظر إلى الطَّالب "خالد تركي".
شكرًا لأستاذي فتحي فوراني الذي أضاء شمعة على ضريح المناضل داود تركي في شهر ميلاده، تشرين الأوَّل، لقد تأثَّر كلُّ واحد منَّا حين قرأكَ في مقالك "مكتبة النُّور وداود تركي..نور على نور" في ملحق "الاتِّحاد" الاسبوع الماضي وتأثَّرنا كذلك من منتجتها حيث استراحت على صفحتين من المُلحق وتجلَّى فيها الذَّوق الجميل والرَّفيع..
شكرًا لكم..جميعًا، وليكُن صباحكم مسكًا وعنبرًا..

قد يهمّكم أيضا..
featured

في الإنحناء واللاإنحناء

featured

ضد التحالف المقدس المكرس لإنقاذ المصرفيين

featured

أنتم المنارة.. وأنتم البوصلة

featured

حديث الذاكرة (2): (إلى الرفيق أسـد)

featured

العنصرية الجديدة

featured

رسائل ماركس وأنجلس حول الديانة الإسلامية

featured

لنتبتعد عن التشنج والذاتية والشخصنة