في الصيف الماضي، استبشرت خيرا، عندما شقّت مظاهرات ومسيرات الاحتجاج شوارع المدن الإسرائيليّة الرئيسة، واحتلّت خيام الشباب والصبايا الساحات والحدائق العامّة...وطالبوا بمأوى سهل المنال.
قلت: لقد شمّرت الأكثرية عن سواعدها، لتقول للنخبة السياسيّة وللطغمة الماليّة: نحن هنا!
قلت: لا بدّ من أن تتحرك الاحتجاجات في هذا الصيف، بشكل أعظم وأشمل وأوعى...وبأكثر تنظيما وإصرارا وبأكثر... من الصيف الماضي.
قلت: في هذا الصيف..ستتغلّب الأكثريّة على الأقليّة المستهترة بقدراتنا، والعابثة بمقدّراتنا..وسيُسقط المضطهدون الحكومة، ونحلّ برلمانها...وسنشارك باتّخاذ القرارات: السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة .. والنفسيّة، سنقول رأينا في تخطيط المستقبل وسنحدّد الأهداف البعيدة والقريبة المدى...
ألسنا الأكثريّة، ونشكّل 99% من السكّان؟!
نحن الذين نتحكّم بنتائج ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات، ونمتلك أسباب التنميّة الاقتصاديّة...لذلك سوف نغيّر سيرورات اتّخاذ القرارات البرلمانيّة، وسنسقط التمثيل الديمقراطيّ المزيّف، وسنفرض مكانه التمثيل المباشر اعتمادا على وسائل الاتصال التي تتيح لنا أن نشرّع ونقترح ونسنّ قوانين، وأن نناقش ميزانيّة، وأن نتدخّل بشكل مباشر وجماهيريّ وشفّاف في اتخاذ القرارات وتحديد السياسات...معتمدين على وسائل الاتصال المتطوّرة.
هكذا نوجّه طاقاتنا نحو الحلول الصحيحة، ونتخلّص من دائرة عدم الاستقرار والغربة...ونكفّ عن اتّهام الآخر بالسلبيّ وبالمتشائم...ولا نشهد لقريبنا بالإيجابيّ وبالمتفائل...كلّنا يتحمّل المسؤوليّة بالتساوي، وسنعمل جاهدين نحو إيجاد الأفضل..
قلت: في هذا الصيف..سنسقط سياسة التقشّف..وسنقلّص المصروفات الزائدة، والعجز في الميزان التجاريّ، سنعدّل ونَعْدل في سلّم الضرائب، ونحدّد السحب الزائد والاستهلاك، ونعقلن الدعاية والنشر، وسنلتزم بالمساواة وبالثبات الاجتماعي، وسنشجع الاستثمار الحكوميّ، ونحفّز الاقتصاد، وسنذبح البقرة المقدّسة: الإجماع القوميّ! ونجنح نحو السلام.
قلت: في هذا الصيف..سنكتشف، نحن الأكثريّة، أعباء الاحتلال، وتكاليفه الاقتصاديّة الباهظة، وما يسبّبه من تدهور أمنيّ وانهيار اقتصادي واجتماعيّ...وسنلتفت إلى آثاره النفسيّة السلبيّة، التي شوّهت أخلاق وثقافة المجتمع الإسرائيليّ..تصوّرت أنّ الأغلبية ستنتفض وتهجم على حواجز الإذلال الأمنيّة، وتهدم الجدار الفاصل، وتبني مكانها جسور الصداقة والتفاهم وعلاقات النفع المتبادل...
قلت: في هذا الصيف...سنجبر أحزاب الوسط واليسار على الوحدة، من كاديما والعمل حتى الجبهة الديمقراطيّة، وتنزل كوادرها إلى الشوارع وتسير قيادتها مع رغبة الجماهير، وتسقط حكومة اليمين التي تتّسم بالغباء وقصر النظر وتشكّل الخطر على السلم العالميّ..التي تتجاهل التغييرات الحاصلة حولنا وفي العالم...
قلت: في هذا الصيف..سيستخلص بنيامين نتنياهو- بيبي النتائج، ويستقيل من رئاسة الحكومة لفشله في تحقيق الأمن والانتعاش الاقتصاديّ، ولعدم قدرته على تطهير الدولة من "الغرباء" لتصفى دولة يهوديّة بامتياز...
قلت: في هذا الصيف ..ستصدر المحكمة قرارا بسجن وزير الخارجيّة ليبرمان، زعيم حزب "يسرائيل بيتينو"، المستوطن المتّهم بالنصب والاحتيال والغشّ..وبخيانة الأمانة وغسل الأموال..
قلت: في هذا الصيف...سيختار المحتجّون حكومة تستثمر في الإنسان والبنية التحتيّة، من شوارع وسكك...وفي البيئة والطاقة الخضراء..وفي التربية والتعليم والخدمات الصحيّة..وفي مساعدة العائلات الفقيرة..وفي توسيع مجالات وفرص العمل...
لكن جاء هذا الصيف وانشغلت الحكومة في التخويف من الشأن السوريّ والمصريّ...والنوويّ الإيرانيّ، وفي يهوديّة الدولة، وتوسيع الاستيطان..وفي بحبوحة الرأسماليين، وفي أثر وزير الاتصال "كحلون" الذي جعل شراء الجهاز الخلويّ أسهل من شراء بيت، وثمن المكالمات الهاتفيّة أقلّ من تكاليف السفر في سيّارات الأجرة...فكحلون استطاع أن يحوّل الناس خلال شهر، عن عادة السفر إلى عادة الاتصال! ونجحت حكومتنا المصونة أمريكيّا في صرف أنظارنا عن بؤسنا، وأنستنا لقمة خبزنا الجافّة المبلولة بالدمّ الفلسطينيّ، وقادتنا إلى نفق مظلم، وأسقطت حلّ الدولتين، وأسّست لبناء دولة الأبرتهايد، واستثمرت في البناء العسكريّ خصوصا في الدّلافين الذريّة، وطوّلت أذرعها الأمنيّة لتطول إيران وتركيّا وسوريا والعراق...ولبنان؛ فحكومتنا بقيادة بيبي وإيهود براك، لا ترى إلا من خلال المنظار الأمنيّ، لذلك ستحشر أمنها في كلّ أزمة سياسيّة في الشرق الأوسط؛ وستفرض حلهاّ الأمنيّ على شعوب المنطقة، خصوصا على الشعب السوريّ الغارق حتى أذنيه في وحل سيناريو الحلّ العراقيّ!
لن نتفاجأ بالغزو العسكريّ الأمريكيّ المدعوم من...لسوريا، الذي سيحوّلها إلى عراق آخر بمشيئة حكومتنا!
فهل ستنامون أيّها المظلومون إلى ما بعد هذا الصيف؟!
