أخي فوزي !
يا أيها النور النقي، يا أيها الفجر، لقد أقصاك الموت عن هذا الوجود فتألم قلبي وجرحت روحي، لأنك مع كل معاناتك كنت تهب لكل من حولك عزم الشباب، وروح التفاؤل، وغبطة العصفور الدوري.
لقد عشت في هذه الدنيا بقلب زاخر يقظ المشاعر، كبير متقبلا للوجود والحياه بكل صعوباتها، مناضلا ضد سلبيات مجتمعنا مقتنعا بأن مستقبل بلدك وشعبك وكل الانسانية سيكون أفضل وأرقى وأسمى، فكنت كذلك الانسان الحالم في نشوة.. صوفية..قدسية..مقتحما العواصف، وصديقا مخلصا لكل من حولك، ولي شخصيا- كأخ، فرُب أخٍ لم تلده أمك وفي هذه الحياة. فكنت كذلك الانسان الذي يسمو بكل من حوله ليصبح أكثر جمالا وصدقا وانسانية ليُطلعنا على حقيقة الوجود وجوهره، الذي هو حركة وجمال وتضحية واخلاص وصمود ودفاع عن المبادئ والقيم الانسانية لكي نصل الى مجتمع المستقبل- مملكة الحرية على الارض.
فبقلبك، قلب الانسان الرحب العميق الطاهر حققت في حياتك أحلام الورود من خلال محبتك لزوجتك وأولادك وعائلتك وبلدك وشعبك وفكرك الانساني الأممي.
وكم أحببت الورد، وأتذكر ما حملته لي من ورد خلال زيارتك الأخيرة لبيتي، قبل وفاتك بفترة وجيزة مع كل ظروف صحتك الصعبة، فكنت دائما السباق بالمحبة والاخلاص والتضحية.
وأتذكر جلساتنا الكثيرة في بيتك الكريم وفي بيتي. وعرفت شخصك الحساس الى درجة المطلق، لذلك لم يكن سهلا لا بل واجهت بعض الأسى احيانا لما كان يحدث في زمن بعضهم بلا ألباب كما كنت تقول.
ومع هذا عشت كالنسر فوق القمة الشماء ترنو الى الشمس حالما تصغي لموسيقى الحياة، فكم كنت تحب الموسيقى، ووحيها متفاعلا مع صوت الالهام داخلك، وتلك سعادة الانسان المنسجم مع ذاته والمحب للآخر وللحياة.
فاستطعت بارادتك وروحك الأبيّة وقلبك الكبير وانسانيتك وبدعم زوجتك ومحبة الأولاد والعائلة ان تقتحم الحياة، وسَموتَ سمو الطائر الجوّاب في الاعالي.
لقد كنت خلوقا محبا مخلصا صريحا مكاشفا صادقا مع نفسك ومع الآخر، متواضعًا دمث الأخلاق، ولم تُغررك أوهام الدنيا، فعشتها حقيقة فاعلة مؤثرة بشكل جدلي وبمفاهيم ثورية من اجل خلق "نسيج آخر للوقت" والحياة.
وهذه المفاهيم كانت اللحمة والطريق الذي جمعك مع اصدقائك ومحبيك ورفاقك، وخلقت أجواء المحبة والاخاء في حياتك وحولك.
لقد كنت كذلك الانسان الذي يحمل طفولته الدائمة، وتحمل غبطتك وحنينك وشجونك وبهجتك وعناقك لربيع حياتك الدائم.
لقد كنت طليقا كطيف النسيم، وحُرا كنور الضحى. لم ترضَ ابدا بذُل القيود، ولم تُسكت نفسك عن قول موقفك ورأيك ودفاعك عن قيمك ومبادئك، وهذا ما عشته معك خلال جلساتنا، فكنت صادقا مع نفسك ومع الآخر.
أحببت الوطن فلسطين، وهذا الحب كان سماء طمأنينتك وأحببت الحياة فـ "كنت صاحب مشتل زهور" ومن خلال فكرك التقدمي الانساني الأممي آمنت بالمستقبل فبحثت دائما عن الدخول الى "جنة البراءة" بقلبك الطيب، ورأيت دائما بأن وراء عصر الظلمة والاضطهاد والعنصرية والتشرذم والتمزق وقتل انسانية الانسان في هذا العصر، عصر هيمنة الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية، فلا بد ان تشرق الشمس، شمس حرية الانسان، وحرية شعبنا العربي الفلسطيني وجميع الشعوب والانسانية.
فقيدنا الغالي أخي فوزي، صاحب النفس الأبيّة، المتحمل، والمشارك الفعال على مدى سنوات كعضو نشيط في الحزب الشيوعي، سنوات العمل التطوعي في قرانا ومدننا ومنها كفر ياسيف، وكمستشار اللجنة البرلمانية لمكافحة المخدرات، من خلال ادراكك أهمية معركة البقاء والحرية والنضال الطبقي والمساواة كأنك كنت تقول: أفضل ان اكون أصغر الناس ولي احلام أسعى الى تحقيقها، على ان اكون أعظمهم مجردا من الاحلام والمبادئ والقيم الانسانية العليا.
فقد كنت صاحبا وأخًا للأخيار غنيا بأصدقائك أصحاب النفوس الأبيّة وذوي الضمائر الحية، رفاق دربك، راغبا أن تكون دائما مع النور الأول لصبح الانسانية.
نعم أخي فوزي، أعطيت الحياة لعائلتك ولكل من حولك، لقيمك ومبادئك وطريقك النقي كحمام المروج.
لن أوفيك حقك، ولكن هذه الكلمات تعكس عما يدور في جنبات قلبي الذي يُحبك محبة أخ وصديق مخلص ورفيق درب.
فقلبي ينفطر حزنا عليك.
ولتكن ذكراك خالدة