يتبيّن باستمرار، كلما اقترب موعد انعقاد المؤتمر في باريس الذي سيتناول سبل اعادة اطلاق العملية السياسية الفلسطينية-الاسرائيلية، أن أخطاء فلسطينية أدّت الى تقليل احتمالات الخروج بمكاسب منه – وهذا على الرغم من عدم التعويل لدينا عليه كثيرًا. ولكن من ينظر الى القضية بوصفها سيرورة تراكمات، وليس تقنيّة بضربة واحدة، سيوافق على ان كل ضغط جديد على حكومة الاحتلال هو مكسب مهم مهما بلغ تواضعه.
بداية الأخطاء كانت فيما بدا استجابة لضغوط خلف الكواليس باتجاه عدم التوجه الى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لاستصدار قرار ضد الاستيطان الاسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وليس هناك حتى اللحظة إجابة على السؤال البسيط: أليس التوجه الى مؤتمر كهذا وباليد ورقة قوية كالتوجه الى مجلس الأمن، هو أقوى وأثبت وأغنى بالإمكانيات، مما باليد الفارغة؟ علمًا أن أكثر ما يقلق حكومة اسرائيل وحليفتها/راعيتها الأمريكية هو استراتيجية فلسطينية جريئة تُخرج التحكم بالقضية الفلسطينية من أيدي واشنطن..
وهكذا، فبعد ان قُدّمت تنازلات فلسطينية مجانية، كان اول من بدأ يقلل من احتمالات المؤتمر هو الحكومة الفرنسية نفسها، ثم خرج بيان الصلف الاسرائيلي عن مكتب بنيامين نتنياهو ليعلن رفض المؤتمر، قبل أن يأتي الآن ساسة واشنطن ليراكموا التشكيك والتقليل من أهمية هذا المؤتمر وفاعليته، إذ قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الاميركية اليزابيث ترودو "ما زلنا نبحث هذا الاقتراح مع الفرنسيين واطراف اخرى معنية. لم يتخذ اي قرار بعد بشأن مشاركتنا في 30 ايار " في مؤتمر باريس!
والسؤال: على مَن يعوّل المفاوض الفلسطيني حين يتنازل عن احدى أقوى أوراقه – المبادرة الدبلوماسية في المؤسسات الأممية التمثيلية – ويتراجع عن قرارات سبق له اتخاذها في الشأن؟ أعَلى أنظمة عربية تكاد لا توجّه نقدًا (فاعلاً!) واحدا لسياسة وجهاز وجرائم الاحتلال الاسرائيلي؟ ومَن وكم ساهم بين هذه الأنظمة في خفض سقف الحراك الفلسطيني الدولي، ليحافظ على علاقته وعمالته مع مركز الحكم الأمريكي، والاسرائيلي أيضًا.. فالأوراق باتت اليوم مكشوفة لمن لا يخاف الرؤية والخروج من "الكهف " الذي وصفه أفلاطون!
