ثقافة التواضع

single

    التواضع لغة هو عدم التكبّر والتعاظم وعدم الزّهُوّ والغرور وإبعاد الذات عن الأضواء وإظهار الحِشمة. إنّ ثقافة التواضع هي من أهم الثقافات في المجتمع الإنساني، وهي صفة إذا حظي بها الإنسان تجعله محبوبًا وقريبًا من الناس حوله، وهي عنوان الإيمان بالمساواة بين بني البشر فالناس سواسية كأسنان المشط، يستوي فيها الغني والفقير والكبير والصغير والحاكم والرّعية والرجل والمرأة. أن يكون الإنسان متواضعًا يعني أنه يساوي بينه وبين زوجته وبينه وبين أولاده وبين ولده وبناته، وبهذا يشيع رب البيت وربة البيت جوًّا من المودة والحرية والاحترام وتقبل الآخر المختلف، دون أي نظرة فوقية أو دونية. فأنت أنا وأنا أنت، أنت مختلف وأنا مختلف، أنا أتقبلّك وأنت تَتَقَبّلني أنا احترم المغاير فيك وأنت تحترم ما اختلف فيه عنك أنا أتقبّل الرأي المخالف لرأيي وأنت كذلك. إن ما ذكرت أعلاه هو أحد قواعد التعددية في المجتمع الواحد وبين المجتمعات، حضارةً وثقافةً ولغةً ودينًا وعرقًا وانتماءً قوميًّا، ان هذا الكلام مخالف تمامًا لما فكر فيه هتلر عن الأقوام والجماعات وتصنيفهم فوقيًا ودينيًا، ووضع بعض المجتمعات في أسفل درجات السّلم. ان ثقافة التواضع شرط في المنافسة الإيجابية بين الأفراد والجماعات، وتجعل الواحد منا يفتخر بالآخر وكأنه هو الغالب في المنافسة، وتجعل كل إنسان يتمتع بروح رياضية في مجال المنافسة الإيجابية، وتمنع التوتر والمشاحنة والمشاجرة بين الأفراد والجماعات، وبهذا يسود السلام وتسود المودّة والمحبة بين الناس أفرادًا وجماعات، ودولاً وأقوامًا وأديانًا وانتماءاتٍ. والإنسان المتواضع هو الإنسان الذي يرى الأشياء الإيجابية في الإنسان المقابل وينظر دائمًا إلى نصف الكأس الملآنة، عكس الإنسان السلبي الذي لا يرى إلا الناقص في الشخص الآخر، والنقد السلبي هو دَيْدَنُهُ المسيطر عليه في التعامل مع الغير، وكما قيل:
   
صديقك لن تلقى الذي لا تعاتبه


إذا كنت في كل الأمور معاندًا

   
    فهو مفارق مرّة ومجانبه ويتطابق هذا القول ما قاله الإمام الشافعي:
   
   
   
وحظك موفور وعرضك صيّنُ
فكلّك عورات وللناس ألسنُ
فَصُنها وقُلْ يا عينُ للناس أعينُ
وفارق ولكن بالتي هي أحسنُ


إذا شئت أن تحيا سليمًا من الأذى
لسانك لا تذكر به عورة أمرئ
وعينك أن أَبْدَتْ إليك مساوءًا
وعاشِر بمعروف وسامحْ من اعتدى

   
    لقد شدّدت الكتب السماوية وشدّد الأنبياء على صفة التواضع وتبنّي ثقافة التواضع عند كل إنسان سليم العقل والقلب. وهنالك أمثال وحكم تتصل بالتواضع مثل:
- التواضع هو جمال الروح.
- كم من جاهل متواضع سَتَر التواضع جَهله.
- لا يتكبّر إلاّ كُلُّ وضيع (حقير النفس) ولا يتواضع إلاّ كلُّ رفيع.
- إذا سُئل الشريف تواضع، وإذا سُئل الوضيع تكبّر.
- تاج المروءة التواضع.
 وعكس التواضع هو التكبّر والغطرسة والتبجّح والتفاخر.

 وكما قال أحد الشعراء:

مَشْينا إليه بالسيوفِ نعاتِبه


إذا الملكُ الجبّار صَعّر خَدّه


 وصعّر خده تعني تكبّر على الغير.
 وخلاصة القول فإن ثقافة التواضع أمر يجب التحلّي به والتعامل مع الغير من خِلاله، لأن التواضع صفة من الصفات المحمودة وهي “أصدق دليل على طهارة النفس واجتذاب الآخرين لمجرد كونهم آدميين بدون اعتبارات إثنيّة أو عرقية أو انتمائية لهذه الشريحة أو تلك “على حد تعبير المحامي رسمي بيادسة (صدى التربية عدد آذار – نيسان مجلد 5/2017). وعلى ضوء الحقائق أعلاه وجب على رجال الدين والحاكمين والمسؤولين ورجال التربية والآباء والأمهات التحلّي بهذه الصفة وان يكونوا أصحاب ثقافة في التواضع والتعامل مع الغير. وهذا أمر يرضي الله ويرضي الناس جميعًا، على أن يكون التواضع في غير مهانة أو إكراه. ان ثقافة التواضع تجعلنا نحترم الإنسان كإنسان. وكما قال الرسول (صلعم) “ان الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد..” وأخيرًا علينا أن نكون مقتنعين بأن تواضعنا لا يعني التنازل عن حق لنا ولا يعني أننا أصبحنا صغارًا في أعين الناس، وتواضعنا يكسبنا محّبة الغير لنا واحترام الناس لنا. وقد سجّل لنا التاريخ من العظماء والعلماء اعلامًا كانوا قمّة في التواضع أمثال: الخلفاء الراشدون، وهارون الرشيد وعبد الملك بن مروان والإمام الشافعي وطاغور الشاعر والروائي البنغالي والحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 1912 وغاندي، والقائمة طويلة، يحضرني في النهاية ما قاله الشاعر عن التواضع:

والفارغات رؤوسهن شوامخ


ملأى السنابل تنحني برؤوسها

فكم يحفَل المشهد الأكاديمي والمشاهد الحياتية بالسنابل الشامخة التي تتفجّر فراغًا والتي تتوَثّب لتلمس سقف السماء”. كما عبر عنها صديقي الأستاذ فتحي فوراني.

قد يهمّكم أيضا..
featured

كم نحن بحاجة لدعم الكرملين، ولتحويل الضغط الأمريكيّ !

featured

أحمد سعد يا "خيّا"

featured

إدارة الحوار والحلّ السياسيّ

featured

من حالة الردع الى حافة الحرب..!

featured

قوانين اسرائيلية تسلب فلسطينيي 48 حقوقهم

featured

الساعة تتوقف في نابلس

featured

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا..﴾