لم يعد السؤال: هل سترد منظومة المقاومة على ما قامت به اسرائيل مطلع هذا الاسبوع في مزارع الامل في القنيطرة السورية ام لا، وانما السؤال المطروح هو: اين ومتى وكيف؟ فالرد آت ولن يستغرق وقتا، وانما في غضون الساعات او الايام القليلة القادمة على الاقل. هذا ما يمكن الجزم به على ضوء ما ورد على لسان سماحة السيد حسن نصرالله، في المقابلة التاريخية المطولة التي اجراها معه الاعلامي العروبي غسان بن جدو، قبل يومين فقط من الغارة الاسرائيلية غير التقليدية في القنيطرة على قناة "الميادين".
وهي غير عادية بكل المقاييس، لانها استهدفت نهارا جهارا كل منظومة المقاومة في آن واحد، وهو غير مسبوق. فقد استهدفت سوريا، واستهدفت حزب الله من خلال استهداف بعض قادته وكوادره، واستهدفت ايران من خلال اغتيال القائد الكبير في الحرس الثوري الايراني العميد محمد علي الله ابادي. وهذا تطور نوعي في العمليات الاسرائيلية، لانه ينقل الاوضاع في المنطقة من حالة الردع الى حافة الحرب الشاملة. وهي مغامرة اسرائيلية متقدمة قد تكون محسوبة وقد لا تكون كذلك. لكنها تحمل كل مؤشرات التفجير، لا سيما وان اسرائيل اخذت تدرك ان اللعبة في سوريا انتهت، والازمة كما يبدو في خواتيمها بعد ان ادرك العالم كله ان الدولة السورية ظلت متماسكة، وان نظام الرئيس بشار الاسد باقٍ بفضل الصمود الاسطوري الذي كان. واهم ما في الامر هو تماسك محور المقاومة، وانتقاله من حالة الدفاع الى وضع الهجوم، بعد انهيار المجاميع الارهابية في اكثر من جهة.
فاسرائيل اخذت تتحسب لما هو قادم بعد ان اصبحت ساحة المقاومة من رأس الناقورة حتى مرتفعات الجولان. وقد يكون للانتخابات الاسرائيلية، بعد اقل من شهرين، جزءٌ من حساب قادة اسرائيل في مغامرتهم الاخيرة. لكن يبدو انها خطوة استباقية لتفجير الاوضاع قبل ان تكتمل استعدادات محور المقاومة للاعلان الغريب عن الانتصار في الحرب الدائرة منذ اربع سنوات. وهم في اسرائيل رصدوا، وحللوا كل كلمة جاءت على لسان سماحة السيد في المقابلة المطولة، التي وضعت النقاط على الحروف، ووضعت قواعد جديدة للاشتباك كانت صريحة وواضحة، حيث اعلن السيد نصرالله: "اننا قد نضطر، في المواجهة القادمة مع اسرائيل، ان ندخل الجليل وما بعد الجليل". وهذه لغة جدية لم تعهدها اسرائيل منذ العام 1948، وقد بنت استراتيجيتها على امور ثلاثة كانت تعتبرها موازين الردع: الامر الاول يتعلق بالتفوق على كل الاعداء (العرب)، والامر الثاني نقل المعركة الى ارض العدو، والامر الثالث انهاء المعركة لصالحها في اسرع وقت ممكن، لانها لا تحتمل الحرب الطويلة او حرب الاستنزاف.
*عوامل تتآكل*
ويبدو ان هذه العوامل الرئيسية في الاستراتيجية الاسرائيلية أخذت تتآكل، او انها فقدت فاعليتها، لان هناك حالة ردع مقابلة لها تجعلها بعيدة عن تحقيق الانتصارات في اي مواجهة مقبلة. فالسيد نصرالله اعلن في المقابلة الهامة ان المقاومة تملك كل انواع الاسلحة، التي قد تخطر على البال او لا تخطر على بال احد. وهذا يعني في البر والبحر والجو. وسماحة السيد حين يعلن مثل هذا الاعلان الخطير، فليس للتباهي او التفاخر، وانما ليأخذ الاسرائيليون اقواله على محمل الجد. وقد عوّدهم على ان يكون صادقا في كلامه، والمواطن العادي في اسرائيل يثق بما تقوله له حكومته، وكلام السيد هنا واضح لا لبس فيه ولا اشتباه. وهو الذي صرّح ان اي عدوان على سوريا سيواجه من قبل محور المقاومة مجتمعة، فكيف اذا كان العدوان مباشرا، ومستهدفا كل اطراف هذا المحور في وقت واحد ونهارا جهارا؟! وهذا يعني ان التصعيد اصبح على الجبهة الشمالية سيد الموقف، والتوتر في ذروته رغم هدوء اليومين الماضيين فربما هو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد اشار المراقبون الى ان حركة الدوريات الاسرائيلية قد توقفت على الحدود مع لبنان، وان مزارعي المستوطنات المحاذية للبنان قد التزموا بيوتهم انتظارا لما هو آت، لانهم في اسرائيل مدركون تماما ان الرد في الطريق ولن يستغرق وقتا كثيرا. فمنظومة المقاومة لا تحتمل ان يتأخر ردها، حتى لا تفرض اسرائيل قواعد جديدة للعبة والاشتباك. ومن يدري، فربما سيكون هذا الرد بعد ان تواري المقاومة شهداءها.
وللحقيقة فان مغامرة حكام اسرائيل، وهذا اللعب الفاضح بالنار، قد فاجأ الدول الغربية، والدولة العربية المحسوبة على المحور الآخر من خليجية وغير خليجية. فكان هذا الصمت الدولي والعربي، وهو يعني فيما يعنيه حالة الارباك لدى هذه الدوائر، لان حكام اسرائيل وضعوهم أمام امتحان صعب، فلم يجدوا ما يقولونه. وهذا سبب صمتهم الغريب والمريب. وفي ظني فان الزيارة المفاجئة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للمملكة العربية السعودية، بعد انتهاء زيارته الرسمية لدولة الامارات، تأتي ضمن هذا الاطار، لان مصر تنظر بخطورة شديدة لتداعيات المغامرة الاسرائيلية. فالزيارة لم تكن مقررة، وان جاء في تعليلها بان الرئيس اراد الاطمئنان على صحة الملك عبد الله السعودي. لكن لا ارى ان هذا هو السبب، وراء الزيارة المفاجئة.
والسؤال المهم في هذا السياق: هل الامور تتجه نحو حرب اقليمية شاملة ام هو اللعب على حافة الهاوية؟ وفي تصوري ليس هناك طرف اقليمي او دولي معني بمثل هذه الحرب، التي ستخلط كل الاوراق، مع ان العالم اقرب من اي وقت مضى الى ذروة التصعيد قبل اكثر من خمسين عاما، وتحديدا في ازمة الصواريخ الكوبية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. لكن ان تتدحرج الاوضاع الى حرب شاملة، فهذا مستبعد حاليا، مع انه ممكن اذا امعن الاسرائيلي في مغامراته. فلو كانت اسرائيل على ثقة بانها ستحقق النصر في اي حرب من هذا النوع لما تأخرت. وفي استحالة تحقيق النصر، فانهم على ما يبدو يسعون لفرض قواعد جديدة يمكن ان تحقق لهم الردع الذي يريدونه. لكن كما قلت فان الاوضاع قد تغيرت، والطرف الآخر يسعى لفرض حالة من التوازن والردع، حتى لا تكون لاسرائيل الكلمة المطلقة في الاحداث القادمة.
وفي كل الحالات ومهما ستتمخض عنه التطورات القادمة، فانهم في اسرائيل يعتقدون ان وجودهم مهدد بخطر حقيقي وجودي. فالتفوق الذي بنوا عليه حروبهم السابقة مع العرب لم يعد موجودا الآن، لان منظومة المقاومة الممتدة من رأس الناقورة الى طهران استطاعت كسر هذا التفوق. فالمسألة ليست في السلاح النووي الايراني المزعوم، وانما في وجود سلاح كاسر للتفوق لدى هذا المحور. والمنظومة الصاروخية الهائلة في هذا المحور هو السلاح الكاسر للتفوق في اي منازلة قادمة، نتمنى ان لا تكون. لكن المغامرين في تل ابيب، ومن خلال اللعب بالنار، يستعجلون مثل هذه المنازلة. وهي عقلية شمشون، التي ستجني على اصحابها قبل اي طرف آخر ولننتظر لنرى..!
