ابني باسل وسياط الحرمان

single

إن إحدى أساليب الحرب النفسية القذرة والمؤلمة هي حرمان الأسرى – أسرى الحرية – من ملامسة ذويهم وبالعكس، فالقائمة السوداء والطويلة من القرارات والقوانين العنصرية المجحفة تطال حياة الأسرى داخل العلب الإسمنتية وتطال أيضًا ذويهم خارج هذه العلب (أي السجن). عندما اعتقلت في تاريخ 25/9/2005 من قبل مجموعة كبيرة من الشاباك والجيش والشرطة ويبلغ تعدادها حوالي 25 شخصًا على الأقل مدججة بالسلاح وقسمًا منها كانت مُشهرة صوب بيتنا وساكنيه من زوجة وأولاد، كان ابني باسل يومها والوحيد بين ثلاث بنات، عمره لا يتجاوز السبع سنوات ونصف. لقد أتى إلى هذه الدنيا متأخرًا بتسع سنوات عن أخته الصغرى راية، يومها وقبل أن يقتادني خفافيش الليل ودعته وهو ما زال نائمًا على نفس السرير الذي كنت نائمًا عليه، وكعادته كل ليلة كان يرفض أن ينام مع أي فرد من أفراد الأسرة، ويُصرّ على إلقاء نفسه في حضني، فبعد شهرين من مكوثي القسري في زنازين إملبّس سيئة الصيت تمشيًا مع انتقام رجال الشاباك مني لأنني رفضت الاعتراف بكل ما حاولوا إلصاقه بي من تُهم كاذبة، وبعد ضغوط شديدة من قبل المحامي الأخ المحترم والرفيق  المناضل صالح محاميد.. نُقلت بعدها إلى سجن الجلبوع وكان لابني باسل وبقية أفراد الأسرة أول لقاء لهم بي،  وكان اللقاء من خلف زجاج سميك والتكلم بيننا من خلال جهاز تلفون مما يحول دون مصافحة أي واحد منهم، وهكذا حال الأسرى جميعهم، ويومها وبعد الزيارة كتبت عن هذا المشهد الدرامي والحزين تحت عنوان "ما بين الدمعة والغضب"، دموع بلورية من خلف حاجز الزجاج من عيون طفل ما زال في أبجدية الحياة.
فاعذروني لا أريد أن اكرر ما كتبته سابقًا وإنما سأتطرق لأمور حدثت معي خلال هذه المسيرة الطويلة من خلف القضبان. في أثناء محاكمتي من قبل القضاة فاقدي الارادة، لربما سيتساءل أحدكم إخواني القراء عن معنى القضاة فاقدي الارادة.. فاحب ان أصارحكم بقولي انهم القضاة من الذين يخضعون لاملاءات الشاباك وتوصياته بالنسبة لمدة الحكم التي يفرضونها على المعتقل ولا يحترمون مهنتهم أبدًا وخصوصًا عندما يتعلق الأمر بمعتقل سياسي فلسطيني ان كان من داخل الخط الأخضر سنة 48 أو من مواطني الأراضي المحتلة سنة 1967. ففي إحدى الجلسات وقبل دخول القضاة حاول ابني باسل الاقتراب مني لأنه كان بحاجة ماسة لحنان والده والذي صحا يومها من النوم ولم يجده إلى جانبه بسبب اعتقال والده على أيدي خفافيش الليل، فما كان من رجال النحشون من الذين يحرسونني الا وان قاموا بطرده بشكل فظ مما أثار حفيظتي، ولمحت على محيا ابني وملامحه التأثر النفسي والغضب الذي اعتراه من جراء هذا التصرف اللاانساني من طرفهم.. فتوجهت بحدة لهم.. انتم نظام عنصري وديكتاتوري لا فرق بينكم وبين الأنظمة العربية الرجعية، فرد عليّ احدهم بقوله: "هكذا نحن وهذه أوامر ولا يفيد نقاشك بأي شيء". عندها بدأت أفكر بكيفية الرد عليهم وتحجيمهم – فسرعان ما خطرت ببالي فكرة ألا وهي، طلب شرب الماء، لأنني اعرف كم يغيظهم هذا، فهمست لأحدهم قائلا:  "أريد ماء حالا"، فرفض قائلا لي: "فقط بعد الجلسة". فاصررت على طلبي وعندما رفض طلبي مرة ثانية، وقفت منتصبًا موجهًا كلامي إلى القضاة قائلا لهم: "اسمحوا لي ان أسألكم سؤالا". فأجابوني: "تفضل".. فقلت لهم بصوت عالٍ وغاضب: "هل بإمكانكم أن تفتشوا في كتب القوانين التي بحوزتكم ان كان يُسمح لي كمعتقل ان اشرب ماء خلال الجلسة"؟ عندما سمعوا كلامي دهشوا كثيرًا. أما رجال النحشون فاختنقوا غيظًا ولم يتوقعوا ان افعل ما فعلت، فوضعتهم بذلك في دائرة الإحراج وكشفت كم هم لا يتحلون حتى بالإنسانية، ففورًا وفي الحال ما كان من القاضية المسؤولة ورئيسة المحكمة روت ليفي الا وان توجهت لرجال النحشون باستغراب شديد بقولها "ما المشكلة؟ لماذا ترفضون إحضار الماء له.. إنه عطشان ومن حقه ان يطلب الماء؟" فتوجهت لأحدهما بالإشارة قائلة له: "تعال من فضلك.. وخذ قنينة الماء خاصتي وأعطها له". حينها تلعثم رجال النحشون وذهب احدهم والغضب والخزي باديان عليه واحضر الماء لي وشربت باستمتاع ورويّة.. وبذلك "فشيت غلّي" كما يقولون بالعامية وانتقمت أيضًا لكرامة ابني باسل لأن تصرفهم مستهجن وأحمق وعنصري.. فعندما توقفت الجلسة من قبل القضاة من اجل الاستراحة لنصف ساعة، قادني رجال النحشون إلى القاعة السفلى للمحكمة أي قاعة الانتظار واقتربوا من وجهي حتى نقطة الصفر جاحظين بعيونهم كعيون الوحوش الضارية مهددين إيايّ أن لا أعود على مثل هذا الطلب في أثناء الجلسة، فلم ارضخ لتهديداتهم لأن كرامتي وكرامة ابني أعلى بكثير من قاماتهم الممسوخة. وعندما انتهت الاستراحة، صعدوا بي حينها إلى قاعة المحكمة وفي أثناء الجلسة كررت الطلب منهم بإحضار الماء وهددتهم إن لم يحضروا لي الماء سوف أتوجه مرة أخرى للقضاة، حينها لم يتجرؤوا على الإخلال بطلبي فحالا احضروا الماء وبهذا شعرت بأنني انتصرت لي ولابني باسل وتمتعت بنشوة الانتصار لكي أبدّد الألم الذي وخزني ووخز ابني باسل وأيضا لكي ألقنهم درسًا مفاده بأن لا يستهتروا بالمعتقلين العرب.
ان احتضان ابني أو أيًا من أفراد الأسرة أو حتى لمسهم كان لا يتعدى بضع مرات وفقط عندما كانت الشرطة التي ترافقنا إلى المحاكم وجلساتها قبل ان يظهر رجال النحشون بصرامتهم وقساوتهم. فعلى مدى خمس سنوات لم يتسنَ لي ان ألمس ابني أو بناتي – أما زوجتي فمرة واحدة لدقيقة واحدة فقط سمح لي رجال النحشون في محكمة الخضيرة بمصافحتها واحتضانها. ان هذه الحالة من اللاانسانية تنعكس وبشكل سلبي على نفسية الأسرة وخصوصًا الأولاد وأبرزهم باسل لأنه أصغرهم سنًا. ففي إحدى الليالي من شهر تموز سنة 2012، ليلة من لياليه الحارقة والحارة جدًا وبينما كنت نائمًا وإذ بحلم جميل يراودني ويقتحم منامي. رأيت فيه ابني باسل بوجهه البدري الوضاء بعيدًا عني عدة أمتار قليلة يصرخ بأعلى صوته وبفرح وبهجة لا توصف.. صارخًا بقوة ومنفعلا كثيرا بقوله: "يابا.. يابا.. يابا.. أنا بحبك كثير يابا.. وين أنت؟ ليش ما بتروِّح على الدار علشان نشوفك.. اشتقت لك يابابا.. بحبك كثير". التفتُ إلى مصدر الصوت فصرخت من طرفي بلهفة كبيرة قائلا له وذلك قبل ان يخطو احدنا باتجاه الآخر: "وأنا يا باسل بحبك كثير.. كثير.. كثير".. وبدأنا نقترب من بعضنا رويدا رويدا حتى تعانقنا بحرارة وإذ بي أصحو من نومي وأتفقد نفسي. وإذ بي ممدد على برش داخل غرفة يقطنها ثمانية أسرى معي. فكانت خيبتي كبيرة إلى حد أن اغرورقت عيوني بالدموع متخيلا ابني باسل أمامي مرددًا ما كتبته من عنوان لهذه الخاطرة وهذا المشهد الدرامي الذي اقتحمني في عِزّ نومي بأن ما لم يتحقق في الواقع على الأقل تحقق في الحلم – عذرًا لابني باسل ولكل أسرتي على عدم تمكني من احتضانهم قائلا لهم جميعًا ولكل الأسرى وذويهم بأنه لا بد من بزوغ شمس الحرية يومًا ما ولا بد للقيد ان ينكسر ولا بد ان يأتي يوم ويزول الظلم والاضطهاد..فنحن حتى حين سنبقى على العهد والوفاء لكم يا أجمل زهرات هذا الوطن ونسيمه العليل ونواره الجميل.. هذه الخاطرة مُهداة إلى العمالقة في صمودهم وصبرهم على حرقة الفراق القسري.. إلى الزوجة المناضلة والوفية أم باسل والى أجمل زهرات حياتي تحرير وأماني وراية والى النجوم البراقة في الليالي المعتمة إلى أحفادي مريم ومصطفى وادم.

 


(سجن الجلبوع – قسم 2)

قد يهمّكم أيضا..
featured

داء نقص التروية القلبي

featured

أهو اعتداء جبان؟ أم رسالة لي؟

featured

سيرة ناصعة ومسيرة مشرفة

featured

ترشيحا تعاني من "إنجازات" البلدية!

featured

الشعوب تمهل ولا تهمل

featured

صوت مصر الحرّ

featured

ملاحقة إسرائيل أمام القضاء: الوسائل والمراجع