بدأت الجولة الحالية من المفاوضات قبل أن يبدأ التفاوض الرسمي، بالصراع الدائر حول مرجعية المفاوضات والجهود الدبلوماسية لترسيم الفارق بين ما هو "التزام سابق" و"شرط مسبق". فيسعى الطرف الفلسطيني إلى تثبيت "بيان الرباعية" كإطار مرجعيّ، فيما تحاول حكومة إسرائيل زرع لغم الاعتراف بيهوديتها على عتبة مائدة المفاوضات.
ويعلم الفلسطينيون كما يعرف أي إنسان عاقل أنّ حكّام إسرائيل لا سيما الحاليون غير معنيين بتاتًا بالسلام العادل، القائم على أساس إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة في حدود 4 حزيران 1967 عاصمتها القدس الشرقية وحل قضية اللاجئين حلاً عادلاً بموجب مقرّرات الأمم المتحدة إلى آخره من قضايا الحل النهائي الذي تماطل فيه إسرائيل قرابة عقدين من الزمن منذ مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو.
ويعلم الفلسطينيون أيضًا أنّ المطلب الإسرائيلي الوقح بالاعتراف بـ "يهودية الدولة"، والذي يعني ضمنيًا إهدار حقوق اللاجئين والباقين، ليس إلا محاولة لتفجير المفاوضات والإلقاء باللائمة على الفلسطينيين الذين "لا يفوّتون فرصة لتفويت أية فرصة". وقس على ذلك النشاط الدعائي الإسرائيلي عن "التحريض الفلسطيني" والمطالبة بـ "ترتيبات أمنية" تنتقص من سيادة الدولة الفلسطينية العتيدة.
إنّ المطلوب اليوم هو توجيه الضغط والغضب بالأساس نحو الولايات المتحدة والمجتمع الدولي ونحو المحتل الإسرائيلي، وليس نحو القيادة الفلسطينية التي وجدت نفسها بين المطرقة الأمريكية وسندان التواطؤ العربي. المطلوب هو تصليب موقف المفاوض الفلسطيني، بتصعيد المقاومة الشعبية ضد الاحتلال وموبقاته في القدس الشرقية والضفة الغربية المحتلتين، وتصعيد المعركة على الرأي العام العالمي والإسرائيلي، من أجل تعرية سياسة الرفض الإسرائيلية أمام العالم وأمام مواطني هذه الدولة، كمقدّمة لفرض اعتراف دولي بالدولة الفلسطينية المستقلة وبالقدس الشرقية عاصمة لها، رغم أنف إسرائيل ومن "يتشدّد لها"!
وهنا، يزداد الوزن النوعي للجماهير العربية الباقية في وطنها، بحكم موقعها السياسي، وتحالفها مع القوى التقدّمية الحقيقية في المجتمع الإسرائيلي.. فساحات النضال تنادينا، في الشيخ جراح وبلعين والخليل وغيرها، لأخذ دورنا في معركة شعبنا المقدّسة للانعتاق من هذا الاحتلال الذي سيظل وصمة عار تلطخ جبين الإنسانية حتى زواله إلى غير رجعة، وهو زائل لا محالة.
