هو يواجه مثلما واجه المناضلون الظلم والطغيان، هم أيضًا يواجهون هؤلاء الحمر والشعب يواجه كل يوم وكل ساعة، في كل مغيب وشروق للشمس، لأننا شعب وضعتنا الحركة الصهيونية وحكام إسرائيل في المواجهة معها، وتصر إسرائيل الرسمية بحكومتها اليمينية ذات التوجهات الفاشية والعنصرية، وبعد توسيع قاعدتها الائتلافية ان تقدم الفنان الكبير ابن الشعب الفلسطيني العريق محمد بكري للمحاكمة لأنه أبدع في عمل فني راق ووطني جسد المأساة والجبروت واستعرض وضع الجلاد بما اقترفت أيدي المحتل الإسرائيلي الصهيوني "الحضاري" ضد الشعب الفلسطيني وأبناء مخيم جنين. هل فعلا تخاف إسرائيل من الفنان بكري على فيلمه؟ أم ان إسرائيل تهدف إلى محاكمة وإسكات الجماهير العربية في محاولة بائسة لعزلها عن بقية أبناء الشعب الفلسطيني.
"جريمة" الفنان محمد بكري، في نظر المؤسسة القضائية العسكرية والسياسية هي انه احتج على جريمة ارتكبت من قبل جيش هولاكو الإسرائيلي الحضاري.. هذه الجريمة شاهدها الرأي العام الإسرائيلي والعربي والعالمي. وان شاء أم أبى حكام إسرائيل فالجريمة دخلت قاموس الجرائم الصهيونية الإسرائيلية بحق شعب فلسطين على مر تاريخ مراحل الصراع.
ان ما قام به الفنان محمد بكري كفنان ينسجم مع إنسانيته وفلسطينيته الرافضة وعروبته الأصيلة وامميته المبدئية، لمنع تكرار الجريمة والنضال بطريقته في فضح وكشف وتعرية زيف الديمقراطية والحضارة الصهيونية التي يتغنون بها باسم المجازر ضد العرب والفلسطينيين خاصة. وقد أدان العالم أجمع وبعض الأوساط في الرأي العام الإسرائيلي المجازر التي ارتكبت بالسلاح المحرم دوليًا (الفوسفور الأبيض) في قطاع غزة خلال الحرب الأخيرة من قبل المستوى السياسي والمؤسسة العسكرية في إسرائيل.
إن إصرار الجهاز القضائي في إسرائيل، ومن ورائه المستوى السياسي واليمين العنصري الفاشي، على محاكمة الفنان محمد بكري، بتوجيه تهم الكذب والتزوير في أحداث الفيلم، ما هو الا محاولة لتشويه الصورة والالتفاف على الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير التي يتغنون بها، وقلب الحقائق والالتفاف على القناعات والرأي العام المحلي والعالمي، وتقديم الضحية كبش فداء، وتشويه الصورة الفنية والإنسانية والوطنية وكسر شوكته كفنان فلسطيني أصيل، سخّر كل فنه وطاقاته لخدمة الجماهير الفلسطينية في الداخل ولمجموع الشعب الفلسطيني عامة وللإنسانية جمعاء. ان المحاكمة عندما توجّه إلى فنان وطني في مستوى محمد بكري، تهدف إلى النيل من تاريخه ورصيده الوطني والسياسي والمعنوي ليس لشخصه فحسب وإنما يهدفون إلى إظهار الجماهير الفلسطينية في الداخل الفلسطيني كجماهير متهمة عاجزة متآمرة تبغي الكذب والتزوير غير مخلصة لقضية السلام حسب مقاييس السياسة الصهيونية.
إنّ الضجة الإعلامية المشكوك فيها حول الفنان محمد بكري تجعلنا نقر ان نص رسالة بكري الفنية والإنسانية هي في التعبير عن موقفه الرافض للحرب والاحتلال وفي سبيل السلام والحرية ومحاسبة الاحتلال على كل جرائمه لأنه غير إنساني وغير شرعي وعليه الرحيل بأسرع ما يمكن، وانه يجب زرع قيم المحبة والأمل والتعاون بين الشعبين لنتخلص نهائيًا من آثار الحروب وسفك الدم والبطش والاضطهاد. هل الكشف عن جريمة هي جريمة أم السكوت على الجريمة هو جريمة اكبر منها؟ على المعنيين ان يحاكَموا وينالوا العقاب اللازم.
إن مشكلة إسرائيل اليوم، تكمن في فشلها تمامًا في قبر الحلم الفلسطيني والنهوض من تحت الأنقاض، من مأساة النكبة والتشرد والحروب إلى الكفاح في المحافل الدولية للحصول على الاعتراف وإجبار إسرائيل بطريقة أو باخرى على الانسحاب وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة، فإسرائيل فشلت في شطب الشعب الفلسطيني والذاكرة والرواية الفلسطينية التي تفند الرواية والمزاعم الصهيونية وسياسة الكذب والتزوير التي تمارسها الدعاية الصهيونية والسياسيون في إسرائيل بحق العرب والفلسطينيين خاصة. إن إسرائيل الرسمية والشعبية قلقة جدًا من المستقبل الفلسطيني وهي تريد احتواء هذا المستقبل بالعمل على تهميشه والالتفاف عليه، فإذا كانت تهاب من شخصية الفلسطيني والفن الفلسطيني ومحمد بكري وغيره حتى أصبحت الرواية والقصة والمسرح واللوحة وكلها مواضيع ومجالات جعلت إسرائيل والجيش الإسرائيلي احد أبطالها في الغطرسة والعنجهية الحاقدة. فهذه هي صورة المستعمر المحتل في روايتنا وتراثنا واحلامنا طالما لم يعد الحق الشرعي لأصحابه الشرعيين وطالما بقي جندي إسرائيلي واحد على الأرض العربية والفلسطينية، وطالما بقيت إسرائيل كحارس الإرهاب الرسمي وتمارس سياسة الاضطهاد والقمع والاحتلال والهدم والقلع، عندها سنبقى عرضة للاتهام والنبش عنوانا اسود لمواضيعنا وللنقد المساءلة فنيًا واخراجًا مسرحًا ورواية إلى آخر المشوار.
أما الفنان محمد بكري الذي لا يهاب المحاكمة ولا الحاكم والحكام، فهو على قناعة راسخة ان ما قام به من عمل فني هام هو نموذج للفنان الفلسطيني الملتزم بقضايا شعبه والدفاع عنها في أصعب الظروف، لم يرتكب أي جرم كي يحاكم عليه، وأما محاولة تقديمه للمحاكمة ما هي الا مسرحية سيئة الإخراج والتنفيذ لان رائحتها نتنة بسبب تفاهة بنود الاتهام والشهود لأنها مفبركة سياسيا وموجهة، فكل فنان يستقي فنه من حبه لشعبه وأرضه ووطنه.
ولكن على الصعيد الشعبي يتطلب الآن تحركًا جماهيريًا وشعبيًا وعلى منظمات المجتمع المدني وعلى مستوى الأوساط الفنية والرسمية للجماهير العربية العمل الجدي والضغط على الأوساط القضائية والسياسية في إسرائيل لإسقاط هذه الدعوى وإلغاء التهم وتعزيز حرية الرأي والتعبير على ارض الواقع، وعدم ترك الأمر لسياسة اللامبالاة فالقضية قضيتنا جميعًا. فحكام إسرائيل لا يتورعون عن اتهام وارتكاب أي شيء تجاه شعبنا وجماهيرنا.
فعلينا الحذر أكثر والصمود بصلابة أكثر، هكذا عوّدونا ان نكون وسنكون كذلك.
(كويكات / أبو سنان)
