* الشيوعيون العراقيون يواجهون خصوماً محليين وأعداء من الخارج ويتمسكون بانهاء الاحتلال واستعادة السيطرة على موارد البلاد واستعادة السيادة الوطنية الكاملة *
يخوض الحزب الشيوعي العراقي اليوم الأحد حملة انتخابات ستكون لنتائجها انعكاسات خطيرة ليس فقط على الساحة الداخلية في العراق، بل على الساحة الخارجية وبالأخص التطورات السياسية وربما العسكرية في المنطقة. حملة تتميز بشراسة غير مسبوقة لأن المعركة ليست مقتصرة على الأحزاب والحركات السياسية المتنوعة داخل العراق، بل لأول مرة يجري فيها التدخل المباشر وبشكل سافر لقوى دولية وإقليمية متعددة أبرزها الولايات المتحدة والسعودية وإيران التي حاولت في الماضي إخفاء دورها أو اعتمدت على ركائزها داخل العراق للقيام بالمهمة من دون تدخل مباشر، ولكنها تحاول الآن بكل ما أوتيت من أموال ووسائل خبيثة أخرى مثل استخدام التفجيرات الإرهابية التي تستهدف المواطنين الأبرياء لترويعهم ووسائل الإعلام المغرضة لحرف انتباههم للتأثير على نتائج هذه الانتخابات وتجييرها لصالح هذه القوى.
تدخل خارجي
قبل الدخول في تفاصيل الحملة الانتخابية ينبغي إلقاء الضوء على دوافع الأطراف الثلاث المذكورة من وراء هذا التدخل وأهدافها منه. فالولايات المتحدة المتعطشة للنفط والأسواق التجارية وممارسة نفوذ القوة العظمى اضطرت تحت ضغط من الشعب العراقي في العام الماضي على توقيع الاتفاقية الأمنية التي تقيد تواجد قوات الاحتلال العسكري الأميركي في العراق والتي حددت نهاية عام 2011 موعداً لانسحاب القوات الأميركية الكامل من العراق. ويخطئ من يعتقد أن "المقاومة" هي العامل الوحيد الذي أرغم الذي أرغم واشنطن على توقيع هذه الاتفاقية. فالحكومات الأميركية، جمهورية كانت أو ديمقراطية، معروفة بعدم اكتراثها بحياة البشر ولا يمكن لمقتل 4 آلاف جندي أن يؤثر على القرار السياسي، بل من يعتقد أن ذلك ما حصل يمنح الإدارة الأميركية شرفاً لا تستحقه بأنها حريصة على حياة جنودها وحياة البشر في شكل عام. فالرأسمالية الأميركية مستعدة للتضحية بأرواح جنودها ومواطنيها، بلا حساب مثلما فعلت في فيتنام، حيث خسرت ما يزيد على 50 ألف جندي قتيل غير الجرحى. وبالطبع كانت مقاومة الشعب الفيتنامي البطولية المسلحة وصموده سبباً رئيسياً في خروج الولايات المتحدة من فيتنام، لكن السبب الأهم هو أن المعارضة الشديدة لتلك الحرب على الساحتين الداخلية في الولايات المتحدة والدولية كانت السبب الأساس لخروج الجيش الأميركي من فيتنام. لذلك فإن المقاومة المسلحة الجارية في العراق ليست السبب الأساسي في إرغام الولايات المتحدة على توقيع الاتفاق الأمني وانسحاب الجيش الأميركي مؤقتاً من المدن إلى مجموعة معسكرات في مناطق معزولة ونائية بعيداً عن التجمعات السكانية ريثما يتم الانسحاب الكامل، بل المعارضة الشعبية العراقية الشاملة للوجود الأميركي ومعها المعارضة العربية والدولية هي التي لعبت الدور الأساسي في التوصل إلى هذا الاتفاق الذي رفضه الأميركيون وحاولوا التملص مدة طويلة من التوقيع عليه، شددوا خلالها استفزازاتهم الأمنية للمواطنين في محاولة لجرهم إلى ردود فعل غير محسوبة من شأنها أن تنشر الفوضى في الشارع وتوفر لواشنطن عذراً من أجل بقاء الجيش الأميركي، بحجة عدم جاهزية الجيش والأجهزة الأمنية العراقية على تسلم زمام الأمور في البلد. واتسع حديث الشارع العراقي عن الدور الأميركي في التفجيرات العشوائية التي استهدفت المدنيين بهدف تصعيد الخلافات المذهبية أو الطائفية والعرقية، لتسهيل مطالبة القوات الأميركية بضرورة بقائها في البلد للحفاظ على أمن المواطنين والسلامة العامة. فالأميركيون مستعدون للبقاء في العراق حتى آخر قطرة من النفط فيه، وليس صحيحاً أنهم موجودون هناك لأسباب أمنية. فالأسلحة المتطورة في الولايات المتحدة والصواريخ العابرة للقارات والطائرات العسكرية التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، لا تدع مجالاً للشك في أن الولايات المتحدة قادرة على الدفاع عن نفسها من دون الحاجة إلى قواعد هنا وهناك. فالهدف من القواعد العسكرية هو بسط النفوذ السياسي والاقتصادي ولا علاقة له بالأمن. ولا فرق بين الحزبين الأميركيين الجمهوري والديمقراطي في رغبة البقاء في العراق، رغم اختلاف دوافعهما نحو هذه الرغبة. فالجمهوري الذي تحظى شركات النفط وصناعات الأسلحة بتمثيل كبير في قيادته معني بالبقاء في العراق، أولاً من أجل ضمان عدم زيادة إنتاج النفط فيه وذلك للتأثير على أسعار النفط العالمية وبقائها مرتفعة قدر الإمكان في الأسواق العالمية وبالتالي زيادة أرباح الشركات النفطية التي تدعم الحزب من جهة، ومن الجهة الأخرى ضمان عدم تصرف الحكومة العراقية بعائدات النفط بشكل لا يعجبهم وضمان صرفها على صفقات الأسلحة والمستوردات التي توجد للجمهوريين مصلحة مباشرة فيها، مثلما هو حاصل في السعودية. فيما يبغي الحزب الديمقراطي من وراء بقائه في العراق زيادة إنتاج النفط إلى أبعد حد، لكي يغرق الأسواق العالمية بالنفط ويجعل أسعار النفط منخفضة بناء على مبدأ العرض والطلب. وبذلك تضمن الإدارة الديمقراطية بأن تساعدها الأسعار المنخفضة للمحروقات على دعم خططها الاقتصادية. إلى جانب أن بقاء الأميركيين في العراق، وفقاً للديمقراطيين يساعدهم في التأثير على طريقة صرف عائدات النفط العراقية على نحو تكون المصالح الأميركية هي المستفيد الأكبر منه.
أما السعوديون فمصلحتهم تقتضي ألا يكون في العراق نظام حكم يهدد استمرار وجود العائلة المالكة السعودية في السلطة. فالرئيس العراقي السابق صدام حسين أخاف بلا شك آل سعود وذكرهم دائماً باحتمال أن يلقوا نفس المصير الذي لقيه الحكم الملكي في العراق في انقلاب تموز عام 1958 بقيادة عبدالكريم قاسم. لذلك سعى السعوديون قلباً وقالباً من أجل إسقاط صدام. لكنهم مثلهم مثل دوائر الحكم الغربية تسرّعوا ولم يحسبوا حساب المستقبل وما يمكن أن يسفر عنه الوضع في العراق بعد سقوط صدام. ففوجئوا بأن الاحتلال الأجنبي كان مضطراً، بناء على ضغوط دولية وبالأخص من الشعب العراقي، أن يثبت للجميع أنه جاء لتغيير نظام الحكم الديكتاتوري حباً بالديمقراطية، وهي الكلمة التي تخيف آل سعود حتى الموت ولا يمكن أن يقبلوا بأي شكل من الأشكال وجود نظام ديقراطي قريباً من حدودهم. لذلك فهم تدخلوا منذ البداية لإفشال التجربة الديمقراطية الجديدة التي بدأت في العراق، وسعوا لإظهارها هزيلة بتسليط الضوء، من خلال إعلامهم وقنواتهم الفضائية المتعددة، على التجاوزات غير الديمقراطية من جانب الأحزاب الدينية التي تناوبت على الحكم في العراق خلال السنوات السبع الماضية وعلى الفساد المستشري في أروقة السلطة كي يكفر أبناء الشعب العراقي بالتجربة الديمقراطية. ولم يتوقف التدخل السعودي عند هذا الحد، بل بدأت عمليات تمويل لأطراف وفئات سنية وغير سنية في العراق بحجة الدفاع عن السنة في وجه الخطر الشيعي. فالعراقيون المقيميون في بريطانيا يعودون من زياراتهم إلى أهلهم ووطنهم بقصص لا تنتهي سمعوها هناك عن الانتحاريين السعوديين ووقوف السعودية وراء عمليات تفجير عديدة في العراق لدفع البلد نحو الفوضى وتصعيد النزاعات المذهبية بين السنة والشيعة من خلال استهداف أماكن العبادة التابعة للشيعة بهدف إفشال التجربة الديمقراطية فيه. بل تجاوز رجال الدين السعوديون المدعومون من السلطة كل حد في خطبهم الدينية بالتحريض على الشيعة وعلى إيران وكفّّروا الزعيم الروحي للشيعة في العراق الشيخ علي السيستاني، لإلهاب مشاعر السنة والشيعة على حدٍ سواء وتصعيد الصدامات الدموية بين الطرفين لنفس الغرض. ووصل الأمر إلى أن قادة سياسيين عراقيين مثل إياد علاوي المنافس الحالي لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الذي يتزعم تحالفاً من رجالات البعث السابقين من الشيعة والسنة يجاهر علناً بعلاقته مع السعودية وأصبح حديث الساعة في العراق يدور حول المال السياسي، أي المال الذي يأتي من الخارج للتأثير على نتائج الانتخابات.
إلى جانب ذلك فإن للسعودية مصلحة مباشرة في انتشار الفوضى في العراق، لأنها تعرقل عملية إنتاج النفط وتمنع تطوير إنتاج حقول النفط، تماماً مثلما فعلت الإدارة الجمهورية للرئيس الأميركي السابق جورج بوش في العراق بعد عام 2003. فالسعودية معنية مباشرة بارتفاع أسعار النفط، فزيادة إنتاج النفط في العراق تساعد على خفض أسعار النفط في الأسواق العالمية، لذلك فمن مصلحة الرياض الإبقاء على مستوى إنتاج النفط في العراق منخفضاً لكي يبقى سعر النفط مرتفعاً.
بدورها تخشى طهران بشدة من تطورات الوضع الداخلي في العراق واحتمال انعكاسها على إيران. فوجود نظام ديمقراطي في العراق يهدد نظام الحكم الأوتوقراطي في إيران القائم على أساس ولاية الفقيه. فولاية الفقيه تُفْرِغ التعددية الحزبية في إيران من محتواها وتعرقل المسيرة الديمقراطية على نحو فاضح، مثلما شاهدنا في انتخابات الرئاسة في حزيران (يونيو) الماضي. فأي حزب لا يعترف بولاية الفقيه ممنوع من ممارسة نشاطه وممنوع من المشاركة في الانتخابات البرلمانية أو انتخابات الرئاسة. لذلك ليس من مصلحة الحكم الحالي في إيران أن يكون إلى جواره في العراق نظام حكم ديمقراطي لا مرجع له سوى الشعب. والمشكلة بالنسبة لإيران أن غالبية تزيد عن 60 بالمائة من سكان العراق هم من الشيعة، أي أنه إلى جوار إيران يقوم نظام حكم ديمقراطي وغالبية مواطنيه من الشيعة ولا يؤمن بولاية الفقيه، مما يجعل ولاية الفقيه في إيران ذاتها مهددة، وهي مهددة أصلاً من الشعب الإيراني مثلما رأينا في الانتخابات الأخيرة. لذلك توجد مصلحة مباشرة في إيران لإفشال العملية الديمقراطية في العراق وتحويله لبلد ذي نظام حكم يقوم على حزب واحد أو أوتوقراطي يستمد شرعيته من رجال الدين. هذا علاوة على وجود أطماع إقليمية إيرانية لتعديل الحدود مع العراق في بعض المناطق، خاصة شط العرب وفي مناطق غنية بالنفط في الجنوب، ثم رغبة طهران بضمان عدم استجابة الحكومة العراقية لمطالب الأكراد في الشمال، لأن ذلك يشكل خطراً على إيران لوجود أقلية كردية ليست صغيرة، هي الأخرى لديها مطالب شبيهة بمطالب أكراد العراق.
معركة صعبة
هذه باختصار شديد أسباب تدخل القوى الخارجية في العراق. وللأسف الشديد لكل من هذه القوى الثلاث أحزاب وحركات سياسية داخل العراق مرتبطة بها ومستعدة للتفاهم معها وتحظى بتأييدها ودعمها السياسي والمادي. ولا نبالغ إذا قلنا أن الحزب الشيوعي العراقي هو الحزب الوحيد الذي ليست له ارتباطات خارجية مع أحد وأن برنامجه السياسي مبني خدمة لمصالح الشعب العراقي بمختلف فئاته، على أساس وطني لا ديني أو مذهبي. فمع أن هذه ميزة جيدة يتمتع بها الشيوعيون العراقيون إلا أنهم بحكم هذه المعادلة السياسية المعقدة أصبحوا يواجهون ليس فقط خصومهم الطبقيين داخل العراق، بل جميع تلك القوى الخارجية مجتمعة التي تحاول التدخل في بلدهم وفرض نفوذها عليه. فمعركة الشيوعيين العراقيين هي الأصعب بين الأحزاب السياسية العراقية على الإطلاق وتستدعي وقوف كل شرفاء العالم معهم.
فالحزب الشيوعي بعد سبع سنوات على الحرب لإسقاط صدام، ما زال وفياً لمبادئه وشعاراته التي رفعها قبل الحرب. فأنا شخصياً ما زلت أذكر الشعارات التي كان يرفعها الشيوعيون العراقيون الذين شاركت وإياهم في المظاهرات الشعبية الضخمة التي خرجت ضد الحرب في لندن عام 2003. كان الشيوعيون العراقيون على رأس المعارضين للحرب ويمكن لمن يراجع أفلام الفيديو للنشرات الإخبارية من تلك الفترة أن يشاهد اليافطات التي رفعها الشيوعيون العراقيون وأبرزها شعار "لا للحرب.. لا للدكتاتورية". وأذكر جيداً ما حصل أثناء الاحتفال السنوي بذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي الذي أقامته في 30 آذار عام 2003 منظمة الحزب في لندن التي يعيش فيها حوالي 300 ألف لاجئ سياسي عراقي. وكنت واحداً من مئات، لا بل آلاف، جاءوا من كل حدب وصوب للتضامن مع الشعب العراقي الذي كان في تلك اللحظة يتعرّض للقصف الجوي والصاروخي الأميركي والبريطاني. فإذا بحامد البياتي، سفير العراق الحالي لدى الأمم المتحدة، وأحد وجوه المعارضة العراقية المنتمي لحزب المجلس الإسلامي الأعلى للثورة الإسلامية بقيادة عبدالعزيز الحكيم ومعه مرافق آخر من المعارضة العراقية قد حضرا إلى الاحتفال بشكل ملفت للنظر، وطلب البياتي من منظمي الاحتفال إعطاءه حق الكلام وقال أنه يحمل رسالة تحية للحزب الشيوعي بمناسبة ذكرى تأسيسه. فسمح له بالصعود إلى المنصة فألقى كلمة باسم أحزاب المعارضة العراقية التي كانت متواجدة في لندن، والتي شكلت في حينه لجنة مشتركة رفض الحزب الشوعي العراقي الانضمام إليها لأن جميع أطرافها كانت توافق على الحرب خلافا لموقفه . والمقصود هي الأحزاب الدينية والحزبين الكرديين بقيادة البرزاني والطلباني. هنّأ البياتي الشيوعيين في تلك المناسبة ومجّد تاريخ الحزب وتضحياته الجسيمة على يد جلادي الشعب العراقي في العهدين الملكي والجمهوري. وقال أن الشعب العراقي لن ينسى أبداً تلك التضحيات، ثم فجأة قال "جئت إليكم مبعوثاً من أحزاب المعارضة لكي أرجوكم بتأييد الحرب على العراق" واستمات في مطالبة الحزب من أجل تغيير موقفه. فاكفهر الجو وتكهرب في الحال وما أن نزل البياتي عن المنصة حتى صعد مسؤول الحزب وأحد كبار قياديه الدكتور صبحي الجميلي، فشكر البياتي على التهنئة التي حملها للحزب، ثم رفع صوته عالياً ومجلجلاً مندداً بالحرب وقال: إنها حرب ضد الشعب العراقي وأن الحزب الشيوعي سيواصل معارضته لها ويدعو لمحاسبة المسؤولين عنها.
لم تطل الحرب فسقط صدام وعادت قيادات الحزب الشيوعي العراقي المنفية إلى العراق للاطمئنان على خلايا الحزب السرية هناك ورفاقهم. عادوا إلى العراق رافعين شعارات منددة بالاحتلال ومطالبة بخروج الجيشين الأميركي والبريطاني من أراضيه وما زالوا رافعين هذه الشعارات حتى اليوم. هذا بالفعل كان موقف الشيوعيين العراقيين الذي شوهته وسائل الإعلام الغربية والعربية على نحو أثرّ على عقول الكثير من الناس البعيدين عن الساحة العراقية، إذ صوّرت أن الشيوعيين العراقيين عادوا إلى العراق على ظهور الدبابات الأميركية. فأبناء الشعب العراقي ابتهجوا بالفعل بسقوط صدام، وخرجوا باحثين عن المقابر الجماعية التي تضم رفات ذويهم من ضحايا النظام البعثي. لم يكن بوسع الحزب الشيوعي أن يعارض هذه الفرحة، وكان رفاقه ضمن الباحثين عن جثث رفاقهم، فعثروا على بعضهم وما زالت أماكن جثث رفاق كثيرين مجهولة حتى اليوم. لكن وسط هذه الفرحة لم ينس الحزب للحظة واحدة المطالبة بخروج قوات الاحتلال الأميركية والبريطانية من العراق.
وبرز هذا الموقف في أدبيات الحزب باستمرار ومن ضمنها ما ورد في التقرير السياسي الصادر عن المؤتمر الثامن للحزب الذي عقد عام 2007 في بغداد والذي نص على أن "مقاومة الاحتلال حق يكفله ميثاق الأمم المتحدة. وهي حق للشعب العراقي الذي وقع تحت سلطة الاحتلال وفقا لقرار مجلس الأمن 1483، وله ان يمارس أشكال النضال المختلفة، لإنهاء الاحتلال واستعادة السيادة الوطنية. لكن مقاومة الاحتلال لا تعني اعتماد الأساليب العنفية وحدها، وإنما تشمل كذلك الأشكال المتنوعة للنضال السياسي السلمي. وتعلمنا التجارب ان الشعوب لا تلجأ إلى الكفاح المسلح إلا حين تضطر إلى ذلك بعد استنفاد الوسائل السلمية".
وأشار التقرير ذاته الى ان "القوى الوطنية العراقية بكل أطيافها، ومنها حزبنا، تُجْمِع على أن الأساليب العنفية ليست الأنسب والأجدى في ظروف بلادنا اليوم، وطالما لم تستنفد الصيغ السلمية. بل أن من شأن العمليات المسلحة في الظروف الراهنة، والعوامل المتداخلة فيها، ان تلحق الضرر بالهدف المتوخى، والمتمثل في الخلاص من الاحتلال في أسرع وقت ممكن. فهي توفر المبرر للقوى المحتلة لإطالة أمد بقائها في بلادنا، وتديم أجواء التوتر والقلق والخوف في أوساط شعبنا، وتضر بالجهود الرامية إلى تهيئة شروط ومستلزمات انهاء الاحتلال وبضمنها وضع جدول زمني لجلاء قواته".
وطالب الحزب الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2003 بالعمل على إنهاء الاحتلال ووجود القوات الأجنبية وفي المؤتمر الثامن دعا إلى "وضع جدول زمني لانجاز هذه المهمة"، ودعاها الى "ممارسة حقها السيادي والحيلولة دون حدوث المزيد من التجاوزات والانتهاكات من جانب تلك القوات، والعمل على استعادة السيطرة الكاملة على موارد البلاد والتحكم باستخدامها وفقا لحاجات البلاد وأولوياتها، وصولاً إلى استعادة السيادة الوطنية الكاملة".
هذه النقاط هي ذاتها النقاط التي يتضمّنها برنامج قائمة "اتحاد الشعب" التي يخوض بها الحزب الشيوعي العراقي حملة الانتخابات الحالية، فيما يتعلق بموضوع السيادة الوطنية وتحرير البلاد من الغزو الأجنبي. كما يتضمن البرنامج قضايا تتعلق بالعمل من أجل إعادة تعمير البلاد وتحقيق التنمية الاقتصادية وحماية الثروات الطبيعية، وتحسين ظروف المعيشة ودعم البطاقة التموينية، والعمل على توفير فرص العمل ووضع استراتيجية شاملة لمكافحة الفقر، وسن قوانين تضمن حقوق العمال وتوفر الضمانات الاجتماعية والعيش اللائق والسكن والخدمات الصحية والإنسانية، وإنهاء مشاكل الكهرباء والماء والنقل والوقود والصرف الصحي، ثم تحسين شروط التعليم والتنمية الثقافية، إلى جانب بند رئيسي يدعو لرد الاعتبار لضحايا الاضطهاد وإنصاف المفصولين عن العمل لأسباب سياسية وتعويض ذوي الشهداء وضحايا النظام السابق، وكذلك ضحايا انقلاب شباط الدموي عام 1963، وتوفير الشروط الضرورية لعودة المهجرين وتعويضهم، وتأمين دور فعال للمرأة في المؤسسات المختلفة وسن قوانين تضمن مساعدة النساء الأرامل وأطفالهن اليتامى.
أجل هذا هو برنامج الحزب الشيوعي لبناء عراق جديد حرٍ وسعيد، وفقاً للشعار الذي رفعه مؤسس الحزب الرفيق طيب الذكر فهد. لذلك كان أول شيء انتبهت إليه الدوائر الغربية بعد سقوط نظام صدام، خطر وصول الحزب الشيوعي إلى السلطة في بغداد. وأسهبت الأقلام في وسائل الإعلام الغربية في شرح مدى الشعبية التي يتمتع بها الشيوعيون العراقيون تاريخياً. وأبرز العديد من هذه الأقلام ما ذهب إليه الباحث الفلسطيني حنا بطاطو، الذي كان مدرساً في الجامعات الأميركية ومؤلف كتاب "الطبقات الاجتماعية القديمة والحركة الثورية في العراق"، وهو أهم مرجع أكاديمي حول التاريخ الحديث للعراق، عن أن البلد مقسوم بين الشيوعيين والبعثيين، وحذرت هذه الأقلام من خطر سيطرة الشيوعيين على العراق بعد سقوط النظام البعثي. لذلك كان أول شيء اهتم به خبراء القانون الذين تم تكليفهم بوضع دستور العراق الجديد وقانون الانتخابات تكريس الانقسامات الطائفية وسد الأبواب في وجه الشيوعيين العراقيين ومنعهم من الوصول إلى السلطة. فوُضِع قانون انتخابات يقوم على أساس الدوائر الانتخابية منحت بموجبه القائمة التي تحصل على أكبر عدد من الأصوات في هذه الدائرة المقعد أو المقاعد المخصصة للدائرة، الأمر الذي منع تمثيل الحزب تمثيلاً عادلاً في الانتخابات النيابية السابقة وحتى الآن. لذلك رفض الحزب الموافقة على هذا القانون ويصرّ على تغييره. مع ذلك تعلم الحزب من أخطاء الأحزاب الأخرى التي لا تشارك في الانتخابات النيابية أو التشريعية في بلادها لضعف إمكانية نجاحها فيها، وقرر خوض المعركة الانتخابية مهما كانت النتائج.
فالحزب الشيوعي الذي عاد للعمل العلني داخل العراق ما زال متحفظاً على الانكشاف بشكل كلي، رغم أنه عاد وافتتح فروعاً له في جميع المدن والبلدات والمراكز السكانية في جميع أنحاء البلاد وأعاد إصدار صحفه ومجلاته ولديه محطة إذاعية. ووفقاً لمسؤول في الحزب يبلغ عدد أعضاء الحزب المنتسبين حالياً حوالي 20 ألف عضو، وأن الحزب لا يريد زيادة عدد الأعضاء حالياً بسرعة لأسباب أمنية، ريثما تخرج القوات الأجنبية من العراق، خشية من انتكاسة سياسية تكون نتائجها مكلفة، "فالمقروص يخشى من جرة الحبل". فرغم التغيير الحاصل في العراق، ما زال الحزب يتعرض لهجمات دموية متتالية من جانب البعثيين والقوى الرجعية الأخرى، مما كلفه سقوط عدد كبير من الضحايا من القياديين وكوادر الحزب، ناهيك عن الاعتداءات التي تتعرض لها مراكز الحزب ونواديه على يد القوى الظلامية.
في المحصلة النهائية يخوض الشيوعيون العراقيون حالياً تجربة فريدة من نوعها بالنسبة للعالم العربي، حيث أمامهم فرصة للحصول على ثقة الشعب وزيادة تمثيلهم في البرلمان، بل المشاركة في السلطة. وينبغي إنجاح هذه التجربة بأي ثمن خدمة للشعب العراقي ولشعوب المنطقة. فالقوى اليسارية والتقدمية في المنطقة وبالأخص في العالم العربي مطالبة بدعم الحزب الشيوعي العراقي لإنجاح حملته الانتخابية، لأنها بذلك تساعد على بناء قاعدة قوية وسنداً لها نفسها في وجه الرجعيات التي تتحكم بمصائرها ومصائر شعوبها.
