بنو البشر يختلفون ويتميزون في كثير من تصرفاتهم اليومية، وصفاتهم التي تلازمهم وبعقولهم وشدة ملاحظاتهم، نشاطهم، كسلهم، مسؤوليتهم والتزاماتهم الذاتية والاجتماعية وفي كثير من النعوت والصفات الأخرى.
فمنهم من يبدأ حياته منذ نعومة أظفاره ببساطة متدنية، أحوال متوسطة، إمكانيات محدودة، الّا أن الله سبحانه وتعالى بالمقابل قد منّ عليهم من عنده ببعد نظر وبعقل سليم، بحسن بصيرة، بأُفق بعيد المدى في التفكير والترتيب والتنظيم والعمل المتواصل والدؤوب، الأمر الذي يحتم عليهم شق طريقهم في الحياة في كدّ وجدّ دون وجل أو كلل أو ملل، يخططون، يثابرون في العمل الجاد ليحققوا ما ترنو إليه عيونهم، تراهم ذات مكانة اجتماعية وأصحاب احترام ذاتي وسيرة حسنة، وما يكلل ويتوج كل هذا الانجاز بمختلف دروب الحياة اليومية وتسخير مقوماتها لأغراضهم ولتقدمهم هم وذووهم وربما مجتمعهم.
ومع كل هذا إذا أمعنّا النظر نرى ان هذا الصنف من بني البشر ينعم بكده وبجده وبمثابرته بالصبر وبالتواضع دون العنجهية بعيدًا عن الشموخ والتعالي على الآخرين، والأهم من ذلك لا تعجبه نفسه وتدفعه إلى التكبّر والكبرياء والنظر بازدراء إلى الآخرين، بل تراه يتحكّم في هذه النفس ولا يدعها تتغلب عليه من باب التواضع والواقعية، كل هذا في نظري سببه العصامية وشق الطريق بنفسه وبتضحياته باستقامة متناهية.
وفي الطرف الآخر نلاحظ ونعرف الصنف الآخر، هذا الصنف الذي منذ الطفولة تربى واعتاد على الثروة التي بدأ ينعم بها إما بالميراث أو بكسبها بطرق متنوعة دون كدّ أو جدّ، دون تخطيط ومثابرة ودون التزام ذاتي واجتماعي وتراه يقبع في برج من عاج (حسب رأيه طبعًا) وكأنه بثروته وأمواله الطائلة يتمكن من تسخير الناس واستغلال أوضاعهم لمصالحه الشخصية وفقط الشخصية تحت ستار ينعته هو بنعوت لا تمت إلى الواقع والحقيقة بصلة مطلقًا، هذا بالإضافة إلى نهجه في الحياة بالتكبّر وبالعنجهية وبالنظر من الأعالي وكأنه يختلف في طينته ونوعيته، كما أنه يبعد كثيرًا في تفكيره وعندها تعجبه نفسه ويصول ويجول في تصرفاته، وكأن الله سبحانه وتعالى لم يخلق البشر على شاكلته وربما في بعض الأحيان يسخر من الآخرين محدودي الإمكانيات المالية والاجتماعية وحتى العقلية.
إنسان كهذا معجب بنفسه كثيرًا منغمس في رفاهيته وعليائه وتشعب أفكاره وسرعان ما تراه ومن شدة طيشه قد هوى وتدهورت أحواله بفعل يديه، وانقلبت حياته رأسًا على عقب، وليس الوقت وقت ندامة فلا منفعة ولا فائدة في حساب النفس، هذا إذا استطاع إلى ذلك سبيلًا.
وعليه فالتواضع والتسامح والواقعية والنظرة الثاقبة إلى الحياة ومعرفة الإنسان قيمة نفسه وعدم التعالي والابتعاد عن العنجهية والتكبر، كل هذا يعمق تفهم المرء لذاته ولذويه ولمجتمعه، الأمر الذي يؤدي بالتالي إلى حياة أنقى وأنظف، تسودها المحبة ويخيم التآخي عليها والأهم من ذلك المساواة بين بني البشر في ظل احترام متبادل بين جميع أفراد المجتمع بدون استثناء.
أبوسنان)
