إضراب شامل وإنجاز ضئيل

single

عمال المقاولة – عبودية "حديثة"

لم تفعل الهستدروت على مدار السنوات شيئًا تقريبًا من أجل حماية حقوق عمال المقاولة أو تنظيمهم من خلالها على وجه الخصوص. وبغض النظر عن الدوافع الانتخابية التي تستتر وراء الاضراب الأخير، فإنه خطوة أولى مهمة لإثارة القضية. مع ذلك، فلا يمكن التحدث عن انجازات حقيقية، طالما لم يكن أساسها منع استمرار ظاهرة عمال المقاولة

ظاهرة التشغيل غير المباشر جاءت لتخدم هدفين، الأول: زيادة أرباح المشغّلين عن طريق الانتقاص من حقوق العمال، والثاني: ضرب التنظيمات العمالية وإضعاف القوّة التي تشكلها هذا التنظيمات مقابل قوة أرباب العمل

 

إضراب الهستدروت في الأسبوع الأخير أثار، لأول مرّة من قبل نقابة العمال الأكبر في البلاد، أكثر الظواهر بشاعة واستغلالا في صفوف العمال في إسرائيل، وهي ظاهرة "عمال المقاولة" أو التي تعرف أيضًا بمصطلح "عمال التشغيل غير المباشر".
هذه الظاهرة التي أخذت بالتفشي في سوق العمل في إسرائيل منذ ثلاثة عقود، تشمل اليوم ما بين الـ350-400 ألف عامل في إسرائيل، يعملون عن طريق شركات القوى العاملة، شركات الخدمات، المقاولين أو الجمعيات. بغض النظر عن هوية الجسم الذي يعملون بواسطته، فإن قاسمًا مشتركًا يجمع عمال المقاولة: جميعهم يفصل بينهم وبين المشغّل بالمعنى الحقيقي – المستفيد المباشر من كدّهم وتعبهم – حاجز متمثل بهذه الشركات. هدف هذا الحاجز محدد جدا، وهو منع قيام علاقة عمل مباشرة بين العمال والمشغّل الحقيقي وبالتالي منع تحصيل هذه المجموعة من العمال لحقوقها العمالية فيما لو كانت مشغّلة مباشرة من قبل المشغّل الحقيقي. ظاهرة التشغيل غير المباشر جاءت لتخدم هدفين بالأساس، الأول زيادة أرباح المشغّلين عن طريق الانتقاص من حقوق العمال، والثاني ضرب التنظيمات العمالية والإضعاف من القوّة التي تشكلها هذا التنظيمات مقابل قوة أرباب العمل.
الهستدروت وعلى مدار السنوات التي مضت لم تنجح بالحد من ظاهرة التشغيل غير المباشر ولم تعمل شيئًا تقريبا من أجل حماية حقوق عمال المقاولة أو تنظيمهم من خلالها على وجه الخصوص. ومن هذا المنطلق وحده، وبغض النظر عن الدوافع الانتخابية التي تستتر وراء خطوة الهستدروت هذه وتحديدا دوافع عوفر عيني الشخصية، يعتبر ما قامت به الهستدروت خطوة أولى مهمة لإثارة قضية عمال المقاولة وتسليط الضوء على ما يجري من استغلال بشع وخرق لحقوقهم. إلا أن الهستدروت لم تنجح من خلال هذا الإضراب والاتفاقيات الناتجة عنه بتحقيق إنجازات حقيقية تصب في المصالح الحقوقية لعمال المقاولة والطبقة العاملة بشكل عام.
لا شك أن الانجازات تقاس بمدى تمكنها من تحقيق المطالب. والمطالب في قضية عمال المقاولة واضحة ومحددة جدا، أولها وأساسها الحد من ظاهرة التشغيل غير المباشر وتقليصها بشكل جدي. المطلب الثاني (علما بأنه لا يمكن منع هذه الظاهرة تماما) رفع أجر عمال المقاولة، تحسين ظروف عملهم وحماية حقوقهم.
المطلبان أعلاه تمثلا أيضا بطرح الهستدروت على مدار أشهر سبقت الإضراب في هذه المسألة. وعلى سبيل المثال في اجتماع يوم الاثنين 6.2.2012 للجان العمال في بيت الهستدروت، كرر عوفر عيني والتأكيد أنه لا مجال لتفادي هذا الإضراب إلا من خلال موافقة الحكومة على مطلبين أساس في قضية عمال المقاولة: الأول، استيعاب عمال المقاولة (مع أفضلية لعمال النظافة) في أماكن العمل بحيث يتم تشغيلهم مباشرة وليس عن طريق شركات المقاولة؛ الثاني، رفع معاش وتحسين ظروف عمل عمال المقاولة الذين لا يتم استيعابهم في أماكن العمل من حيث التشغيل المباشر، بشكل متساوٍ مع العمال المشغلين مباشرة في أماكن العمل نفسها.
إذا أردنا قياس ما حققته الهستدروت في الاتفاقيتين، الأولى مع وزارة المالية (بخصوص عمال المقاولة في القطاع العام) والثانية مع أرباب العمل (بخصوص عمال المقاولة في القطاع الخاص)، من خلال مقارنة ما جاء في هاتين الاتفاقيتين مع المطلبين أعلاه، تكون النتيجة "بالكاد يكفي"!

  • استيعاب عمال المقاولة والتشغيل المباشر

لا شك أن الهستدروت لم تنجز أي تقدّم خاص في مسألة تقليص ظاهرة التشغيل غير المباشر وعمال المقاولة. فمثلا، من بين ما يقارب الـ20 الف عامل مقاولة في القطاع العام (المشغّل الأكبر لعمال المقاولة في البلاد)، فإن ما يقارب الألف عامل فقط سيتم استيعابهم في أماكن العمل وتشغيلهم مباشرة. ويجدر التنويه هنا إلى أنه وعلى الرغم من أن مطلب الهستدروت كان منح الأفضلية لعمال النظافة في مسألة التشغيل المباشر، إلا أن الاتفاقية مع الحكومة حيّدت عمال النظافة بالأساس، كما حيّدت عمال الحراسة من هذه المسألة. إخفاق الهستدروت هذا والتخلي عن عمال النظافة والحراسة في مسألة التشغيل المباشر، هو اخفاق فادح علما بأننا نتحدث هنا عن الشريحة الأكثر عرضة من بين عمال المقاولة، للاستغلال وخرق الحقوق العمالية من قبل شركات المقاولة والمشغّلين.
أما في مسألة التشغيل المباشر في القطاع الخاص فتنص الاتفاقية مع أرباب العمل على أن عمال النظافة المشغّلون بنسبة وظيفة 90% على الأقل مع أقدمية مدتها 9 أشهر في مكان العمل (تبدأ من تاريخ 1.5.2012) فقط، هم من يتم استيعابهم وتشغيلهم المباشر في أماكن العمل. هنا أيضًا لم تنجح الهستدروت بإحداث تغيير جدي، حيث ان معظم عمال المقاولة في مجال النظافة في القطاع الخاص لا يصلون إلى هذه النسبة من الوظيفة، كما من البديهي ذكره أن الشروط المسبقة التي وضعت قابلة للسيطرة من قبل شركات المقاولة والمشغّلين، إن كان عن طريق الإقالة المبكرة لمنع مراكمة الحد الأدنى من الأقدمية وان كان عن طريق تقليص نسبة الوظيفة بحيث لا تصل الـ90%.
يشار أيضا إلى أن الاتفاقية مع أرباب العمل حيّدت تماما عمال المقاولة في مجال الحراسة من مسألة التشغيل المباشر، فهم على عكس عمال النظافة يعملون بنسبة وظيفة عالية تتجاوز في كثير من الأحيان حتى الـ100%. وهذا مثال آخر يؤكد على إخفاق الهستدروت في المطلب الاساس وهو تقليص ظاهرة التشغيل غير المباشر.

  • رفع المعاش وتحسين ظروف العمل

أما في مسألة رفع المعاش وتحسين ظروف عمل عمال المقاولة، فنجد أن الإنجازات التي جاءت في الاتفاقيتين كانت أفضل مما جاء في مسألة التشغيل المباشر. ولعل أهم انجاز جاء في الاتفاقية مع وزارة المالية كان زيادة 120 وظيفة مفتش عمل في وزارة العمل (خلال سنتين) لتطبيق قوانين العمل وحماية حقوق العمال. يعتبر إخفاق الحكومة ووزارة العمل تحديدا، من مراقبة المشغّلين في تنفيذ قوانين العمل، أحد الأسباب الرئيسية لخرق الحقوق العمالية خاصة في صفوف عمال المقاولة. يعمل الجسم المكلف في وزارة العمل بهذه المسألة بقوى بشرية بالكاد تكفي، وفقا للتقرير الأخير لمنظمة التعاون والتطوير الاقتصادي OECD يلزم وزارة العمل في إسرائيل ما لا يقل عن 300 وظيفة مفتش حتى يتم مراقبة تطبيق قوانين العمل بشكل ناجع. عدد مفتشي العمل اليوم في وزارة العمل لا يتجاوز الـ100 وظيفة، ونسبة كبيرة منهم يعملون بوظائف جزئية. من هذا الباب الزيادة التي تم تحصيلها من خلال الاتفاقية هي انجاز هام فعلا.
إنجاز آخر نصت عليه الاتفاقية مع وزارة المالية كان مساواة حقوق عمال المقاولة في القطاع العام مع باقي عمال القطاع العام بالأساس في مسألة صندوق الاستكمالات (لم يتوفر هذا الحق من قبل)، وصندوق التقاعد حيث تم رفع نسبة توفيرات الى 19.5% كما هو الحال لدى باقي عمال وموظفي القطاع العام، وبدل النقاهة حيث سيتم احتسابها وفقا لقيمتها بالنسبة للقطاع العام وليس القطاع الخاص.
أما في مسألة المعاش فعلى الرغم من أن الاتفاقية تنص على رفع أجر الحد الأدنى لعمال النظافة وعمال الحراسة ابتداء من أيار 2012 (4500 شاقل لعامل النظافة أو الحراسة، و4700 شاقل للمسؤول عن عمال النظافة أو الحراسة)، الا أن هذه الزيادة لا يمكن اعتبارها انجازًا حقيقيًا، خصوصا اذا أخذنا بعين الاعتبار انه وفقا لاتفاقية الأجر الأخيرة التي وقعتها الهستدروت ووزارة المالية، فمن المفترض أن يرتفع الحد الأدنى للأجور بشكل تدريجي لجميع العمال في سوق العمل، وسيصل الى نفس المبلغ الذي تنص عليه اتفاقية عمال المقاولة، في تموز 2013.

  • خلاصة


أهمية الإضراب والناتج عنه تكمن في كون ما حدث هو بمثابة خطوة أولى هامة رفعت بقضية عمال المقاولة ووضعتها في مركز القضايا العمالية في البلاد. ولكن من دون الحد من هذه الظاهرة لا يمكن التحدث عن تحقيق انجازات فعليّة حقيقيّة في حماية ودعم الحقوق العمالية لعمال المقاولة. كما ذكر اعلاه، الدوافع المركزية لهذه الظاهرة هي جني أرباح أكبر لصالح المشغّلين على حساب الانتقاص من حقوق العمال وكذلك ضرب التنظيمات العمالية وإضعافها كقوة مضادة لقوة المشغّلين. إذا كانت هذه هي الدوافع فلا يمكن التحدث اذًا عن انجازات حقيقية، طالما لم يكن أساس هذه الانجازات منع استمرار ظاهرة عمال المقاولة والتقليص منها بالشكل الملموس. وهذا لم يحصل بعد!


*المحامية غدير نقولا هي مديرة مكتب عنوان العامل/קו לעובד في الناصرة

قد يهمّكم أيضا..
featured

عين الحلوة، مرة أخرى!

featured

الأسطورة والحكاية والخرافة

featured

سيناريو مفترض للانتخابات المقبلة: كلمة السر "جنرالات"

featured

على هذا الطّريق

featured

قرانهم وعقوقنا

featured

الوجوه وتقلبات الزمن

featured

شولاميت ألوني

featured

أخلاق الجنرال من أخلاق الاحتلال