إذا حاولنا استقطاب معلومات وملاحظات، نظرات، ظواهر ايجابية كانت ام سلبية، لا بد لنا وبدون عناء يُذكر، وربما بدون تعب او تفحُّص وسهولة الاشارة الى كثير من الظواهر التي تبرز للعيان بكل وضوح، تبرز للعيان وتدلُ على نفسها دون الحاجة الى المساعدة من أي طرف آخر.
ومما تحويه هذه المرئيات والظواهر كثير منها معقول ومقبول، الا أن الاغلبية الساحقة منها مرفوضة جملةً وتفصيلًا، لا لأنها صادرة عن فلان أو علان، وإنما لأنها تنُم وبإسهاب عن جوهر الكثيرين ممن يقومون بها من مختلف شرائح المجتمع الفئوية، الطائفية، الاجتماعية، السياسية وغيرها، نعم تنم عن تدنٍّ في الأخلاق، تنم عن عدم الاكتراث، تنم عن التجرُّد من كثير من القيم التي لم نتعّود عليها في الماضي، الا أن التجرّد من القيم الاجتماعية، التجرّد من الاصوليات، العبث بالأخلاقيات التي تربَّى السلف الصالح عليها، وزرعوها في نفوس الخلف لا لينكرها او ليستهزئ بها، بل للحفاظ عليها ونقلها للأجيال القادمة.
هذه الامور وكثيرة غيرها لم اذكرها قد اخذت مأخذها وبشكل جدِّي من الناشئة وكادت تصَهر كثيرًا من الاخلاقيات، كالعلاقات العامة، والتعامل الانساني، الأخوي باحترام، وكذلك كادت تقضي على امور يصرخ المجتمع لانعدامها، ويكاد يستغيث كي تبقى، نعم كي تبقى تلك العادات والأصوليات بين ظهرانينا، الا انه ينطبق القول "لا حياة لمن تنادي" وللأسف الشديد.
الا ان الحكمة قرائي الأعزاء في كيفية توضيح احتضانها، والتمسك بها بشتى السُبُل الانسانية، الخلاقة بوعي كامل وبادراك سليم، هذا ليس لمكسب شخصي وإنما لصيانة المُثُل العليا في المجتمع بغية عدم أنصارها وصيانتها وحفظها من الضياع.
ولا يمكن لأحد ان ينكر ما يدور في صفوف المجتمع ففئات كثيرة منها كبيرة وأخرى محدودة تعبث بالقيم الخلاقة وتنهج نهجا من مناهج التلَوّن وتغيير الوجوه، صباحًا، ظهرًا، ومساءً، وتعود هذه الكرة على نفسها يوميًا ويلاحظها الكثيرون ويعرفونها جيدًا، الا انهم عاجزون عن التأثير عليها، لأنهم في نظري يرغبون في مراضاة الآخرين، وفي بعض الأحيان يَعَوْن ان ما يفعلونه مجرد مراءاة ولا يمكن كسب اية ثقة أو أي مكسب انساني من جرّاء ذلك، لأن الذي يغيّر وجهه بين الحين والآخر فبالطبع لا يمكنه ان يصدَّق، أو حتى لا يمكنه أن يحظى بثقة الآخرين.
فطالما هذا النفر من الناس يُبْحر في قاع محيط الوجهنة والرياء ومسح الجوخ والنفاق ويلبس ثيابًا مزيفة في كل حين، ورغم انه يعرف ذلك ويتظاهر العكس، فبربكم أيها الإخوة والأخوات: هل يمكن لمثل هؤلاء ان يقرروا من أنت وهل يمكنهم معرفة قيمتك؟ وهل يتمكنون من مصارحة ضمائرهم اذا كانت حية؟ وهل يفعلون ما يفيد المجتمع او انهم فقط للمنفعة الخاصة والشخصية بالذات؟
لذا أيها الانسان الواعي، أيها العنصر الايجابي ويا من يعي كرامته وكرامة ذويه وكرامة مجتمعه ويا من يحافظ على أسرته وعائلته ويصون معشر الاصدقاء والأقارب والزملاء ومن يذودون عن الكرامات، اليكم جميعًا أقول بدون وَجَل وبدون مواربة: لا تفكّروا ولا تتوقعوا أن يقيّم وجوهكم وشخصياتكم أمثال هؤلاء، وحتى لو كان لهم ما يقال فلا يمكن الاطمئنان لهم بتاتًا، وحيث انهم لا يرتكزون على أساس ثابت ولا يثبتون على نمط واحد وإنما... حسب أحوال الطقس!!
لذا ومن أجل كل هذا ما عليك أيها المرء الاّ أن تقوِّي وتُنَمي مبادئك التي تربيت عليها، تُوطَّد أفكارك وأخلاقياتك ومُثّلَك العليا، ولا تفكر يومًا ان يقّرر أحد من هؤلاء مدى احترامك وكرامتك وقيمتك في المجتمع، وإنما شخصيتك وأعمالك وأفعالك وصفاتك على أرض الواقع هي الاساس وهي رأس المال الأول والأخير وخاصة اذا كانت محصنة بإيمان صادق ومعرفة الله في كل عمل،ولان الناس يغيرّون وجوههم تقريبًا كل يوم فلا مكان للتوقع أو الانتظار لتقييمك من قبلهم، فقيمتك لك وكرامتك لك ولا تبحث عنها لدى هؤلاء لأن في ذلك صلاح الحال واطمئنان النفس مهما تغيّرت الوجوه ومهما تقلّب الزمن.
(ابوسنان)
