حديث جانبي

single
بضع عشرات من الشبان يُدعَون بالحرَكات الشبابية ومعهم عدد من الشخصيات التي تسمى بالقوى الوطنية، ينطلقون شبه متفرقين في المظاهرة. دقائق معدودة بعد ذلك وتنقضّ عليهم قوة من حرس الحدود الاسرائيلي التي ندعوها قوة من قوات الاحتلال. المهم - تبدأ المناوشة: قنبلة صوتية من هنا واخرى من هناك، تتفرق مظاهرة العشرات المتفرقة أصلا، ثم يلتقي عدد ضئيل من المتظاهرين مجددا في مقطع اخر من الشارع، يرفعون علمهم من جديد ويرددون هتافا واحدا قبل ان تداهمهم قوة اسرائيلية اخرى، هذه المرة تكون من القوات الخاصة، التي نختصر اسمها كذلك بقوات الاحتلال. تدور المواجهة بين كرّ وفرّ تطلق خلالها اعيرة تشبه الرصاص المطاطي. ينتشي الشبان من المواجهة فهي تشعرهم أنهم صف امامي في مقاومة الاحتلال، وترتاح الشخصيات اللتي اتت في مهمة لتمثيل القوى الوطنية فهي تشعر انها "عملت الواجب"، أو بالأصح اسقطت الواجب.
على أطراف مشهد المواجهة وعملية قد تكون فردية لتذويت الشعور بالانتماء الوطني، يسير العالم الحقيقي بخطاه العادية اليومية، اللهم بعض التلكؤ الناتج إما لأجل مشاهدة مشهد المواجهة ذاك وإما نتيجة لخلل فني يصيب العالم الحقيقي كجزء من ارهاصات المواجهة، أن تُغلَق مثلا واجهة البقالة الزجاجية لبضع لحظات، أو يؤخِر موظف ذاهب الى عمله خطواته، أو يخفف سائق اجرة من سرعته حتى تمر عاصفة المواجهة! وكأن الجميع متيقن بأن العاصفة هذه سرعان ما ستمر!
وفيما تجري المواجهة المحسوبة منذ البدء، يتبادل العالم الحقيقي حديثه الجانبي حول توقيت المظاهرة السيء ومكانها غير المناسب وحضورها غير المحمّس وتنظيمها الضعيف. ويقول يا حبذا لو توقف اولئك الشبان وتلك الشخصيات الوطنية ليصغوا هنيهة الى هذا العالم الحقيقي الذي يسيرون في مواجهتهم المفتعلة على اطراف اطرافه.
شهدت من موقع عملي، مظاهرتين احياء ليوم الارض، وفي المظاهرتين سمعت الاحاديث الجانبية الكثيرة التي تعبّر عن نبض الشارع كما يقال، في الاولى حيث مشهد المواجهة كان الانقطاع مريبا بين الناس وبين المظاهرة، فهؤلاء في واد والمظاهرة في واد وبينهما واد سحيق. الناس مهمومون بلقمة العيش والحفاظ على المسكن وتأمين حياة أطفالهم في ظل عملية خنق متواصلة لهم من قبل سلطات الاحتلال، والمظاهرة  تطالبهم هكذا فجأة دون مقدمات ودون مشاورات معهم بالمواجهة ودفع الثمن بالرعب والاصابات والخسائر المادية التي لن تعوض بالحرية طالما بقيت هذه المظاهرة في نطاق العمل الموسمي وليس الاستراتيجي.. العالم الحقيقي كما بدا لي في المظاهرة الاولى يصبو الى التخطيط ليجد المحفز ويصبح جزءا من الفعل والمواجهة.
أما في المظاهرة الثانية، حيث مثلث يوم الأرض، فقد طغت روائح "الفُشار" والسكر المحروق في الة صنع  "شعر البنات"  على حضور الالاف تمجيدا ليوم كفاحي عليه ان يكون طوال الوقت محرّضا للنضال من أجل المستقبل.. من أين اتت رائحة السكـّر؟! كيف طغى الجو الاحتفالي على هذه المناسبة التاريخية، كيف تغيرت تفاصيل الشهداء وأصبحت مجرد ذكرى لا ذاكرة تسكن في وعي الجماهير..
 في الاحاديث الجانبية سمعت، أو هيّئ لي أني سمعت من يسأل: لماذا قدمت هذه الالوف اليوم!؟
وكإرتداد لصدى هذا السؤال في عقلي.. أسمع الاف الأصوات المتسائلة لماذا استشهد الشهداء!
لماذا ذهب ذلك الفتى بحثا عن العكوب في جبال الخليل، لماذا تحصّن ذلك الشاب في بيته حتى فجّروه فوق رأسه.. لماذا سار شبان أخرون في جنازة الشهيد فاستشهدوا، ولماذا تلك النظرة الشاخصة من مئات العيون المتحلقة في وداع الشهيد.
لماذا يدور هذا الحديث الجانبي في عقلي، وفي عقلكم! والاجابة حتما ممنوع ان تكون لأن الشهيد استشهد فداء للوطن، فإجابة كهذه أبسط من الاسئلة الجانبية التي عندما تسيطر أكثر من اللزوم على واقعنا، يجب علينا أن نفحص أين يكمن الخطأ، ونبدأ بإصلاحه على الفور.
قد يهمّكم أيضا..
featured

ويكيليكس في عالم الحريات المزعومة

featured

يوم لا يُنسى في حياتي

featured

عبر النصر على النازية

featured

الكبير الذي أغبطه

featured

المفكر اليساري البارز نوعام خومسكي: النزعة الأمريكية-الإسرائيلية الرفضية مستمرة

featured

مقاطعة الانتخابات تعني التصويت لليمين العنصري

featured

رد الاعتبار لثورة عام 1929 كثورة الفلاحين الفلسطينيين المناهضة للامبريالية والصهيونية والاقطاع!