كتبتُ، كما كتب الكثيرون،عن الديمقراطيّة الإسرائيليّة المشوّهة. استخلصتُ، كما استخلص الكثيرون، بأنّ الدولة الديمقراطيّة الحَقَّة قادرة على صدّ التشويهات المحدقة بها، وعلى ردّ كلّ عدوان عليها، هي قادرة حتى على نفض الغبار عنها، وعلى توسيع هامش الحريّة والحفاظ عليه، وعلى المسافة الفاصلة بين سلطاتها... آمنتُ، كما آمن الكثيرون، بأنّ ما بُني على باطل فهو باطل، وبأنّ "عيشة الدسّ آخرتها على فصّ".
أعتقد اليوم، بأنّه بات من المستحيل أن يخترق الشكلُ شبه الديمقراطيّ لإسرائيل الحواجزَ التي تعترض طريقه نحو الجوهر التربويّ والعمق الثقافيّ لمواطنيها، أو أن يلتف العراقيل والأباطيل ويتجاوزها و...المولودة حراما، من زواج غير شرعيّ لسلطات، ومؤسّسات، ونقابات، وقيادات، وفلاسفة، وعلماء، ومفكّرين، وأدباء ورأسمال....دولة إسرائيل؛ في البداية، قضى هذا التزاوج ورنين الذهب على ضمير السلطتَين: التشريعيّة والتنفيذيّة وحوّلهما إلى منصّة انطلاق للأفكار والسياسة الفاشيّة؛ لتنقضّ على السلطة القضائيّة وتقضم بهامشها الديمقراطيّ، ولتغرقها في وحل الاحتلال والمستوطنات، ولتجهز على السلطة الرابعة (وسائل الإعلام)، لتفقّس فراخا تقرقر وتشقشق أمام عدسات التصوير، ومعمعيّين يفكّرون بما يتّسق مع رأي حكومة بنيامين نتنياهو اليمينيّة.
ما الذي يشغل بال حكومة إسرائيل وإعلاميّيها في هذه الأيام؟
إنّها تتعامل مع أبسط القضايا وكأنّها قضيّة مصيريّة؛ فقصيدة غينتر جراس، عميد الأدب الألمانيّ، الحائز على جائزة نوبل للأدب سنة 1999، تهدّد أمن إسرائيل كما فزّاعة بيبي نتنياهو- النوويّ الإيرانيّ! لذلك على الكتّاب...والمؤسّسات الصهيونيّة وجميع أذرعها العالميّة أن تردّ وتشنّ هجوما معاكسا كاسحا ماحقا على الشاعر والقصيدة التي "اتّهمت" إسرائيل بأنّها تهدّد السلام العالميّ بترسانتها النوويّة!
لا تتحمّل حكومة إسرائيل ولا تريد لمثل هذه القامات الفكريّة والأدبيّة أن تكسر قيودها وتخترق حواجز خوفها من الإعلام والدعاية والرأسمال الصهيونيّ وتقوم بفضح الرواية والسياسة الإسرائيليّة؛ من احتلال واستيطان واستيلاء بالقوّة وتسلّح وبطش و... وبتحديد الخطر الحقيقيّ على السلام والأمن العالميّين.
فمَن أنت يا جنتر جراس لتعارض أن تقدّم بلادك- ألمانيا غوّاصة قادرة على حمل الرؤوس النوويّة لإسرائيل؟!
مَن أنت لتحذّر بقصيدة من ضربة نوويّة إسرائيليّة استباقيّة لإيران؛ لتفني الشعب الإيرانيّ لمجرد الشكّ فيه بأنّه يصنع قنبلة ذريّة فوق أراضيه؟!
كيف تجرّأتَ يا غينتر جراس أن تقول كفى لإسرائيل، وتتهمها بأنّها تمتلك ترسانة نوويّة متعاظمة لا تخضع لأيّ رقابة دوليّة؟!
لماذا يا جنتر جراس صمتّ دهرا وأيقظت ضميرك بعد 85 سنة؛ لتطالب الغرب بالكفّ عن الرياء، وبتحمّل مسؤوليّة تصدير الجريمة المتوقّعة وتشجيعها، وبخروج الأدباء عن صمتهم؟!
كيف لك يا غينتر جراس أن تبوح بما تؤمن به، وتقول حقيقتك بقصيدة تتعارض مع سياسة بلادك، وتطالب برقابة دوليّة للمنشآت النوويّة الإيرانيّة وللترسانة النوويّة الإسرائيليّة؟!
أنا العربيّ الفلسطينيّ الإسرائيليّ أستغرب كيف صمت معظم مفكّري وأدباء و...الغرب عن " ما يجب أن يقال"
( قصيدة جراس) وهم أدرى ويعرفون حقيقة الاحتلال الإسرائيليّ وتداعياته وجرائمه، وعن تحوّل إسرائيل إلى دولة لا ساميّة وعنصريّة- أبرتها يد، وأستغرب أكثر ممارسة غالبيّة مفكّري الشعب اليهوديّ سياسة قلب الحقائق، وفي أحسن الأحوال طمسها!
كما أستنكر صمت المفكّرين العرب بشكل عامّ، والفلسطينيّين منهم بشكل خاصّ، كيف لهم أن يصمتوا وأن يملأوا أفواههم بالضفادع أمام هجوم الأبواق الصهيونيّة على مَن يُسهم في إيقاظ ضمير الغرب، من أمثال الشاعر جراس، وعلى تفاعلات قصيدته ونداءاته؛ بأن تكفّ إسرائيل عن عرقلة جهود السلام، وأن تخلي المستوطنات غير الشرعيّة بالكامل. أليست هذه مفارقة غريبة؟!
يحضرني بيت شعر "أبو الأسود الدُّؤَلي"
تعدو الذئاب على من لا كلاب له وتتّقي صولة المستأسد الحامي
